كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 1)
:
[البحر الطويل]
فَإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ... هُمُ الْقَوْمُ كُلُّ الْقَوْمِ يَا أُمَّ خَالِدِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ هُوَ الْقَوْلُ لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ، وَقَدْ أَغْفَلَ قَائِلُ ذَلِكَ فَرْقَ مَا بَيْنَ الَّذِي فِي الْآيَتَيْنِ وَفِي الْبَيْتِ، لِأَنَّ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} [الزمر: 33] قَدْ جَاءَتِ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا الْجَمْعَ، وَهُوَ قَوْلِهِ: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [الزمر: 33] وَكَذَلِكَ الَّذِي فِي الْبَيْتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: دِمَاؤُهُمْ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الدَّلَالَةُ فِي قَوْلِهِ: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] فَذَلِكَ فَرْقُ مَا بَيْنَ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] وَسَائِرُ شَوَاهِدِهِ الَّتِي اسْتُشْهِدَ بِهَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الَّذِي فِي قَوْلِهِ: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ نَقْلُ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ الْأَغْلَبُ فِي اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ عَلَى مَعْنَى إِلَى غَيْرِهِ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا. ثُمَّ اخْتَلَفَتْ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ أَقْوَالٌ
أَحَدُهَا مَا حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " §ضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُنَافِقِينَ مَثَلًا فَقَالَ: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17] أَيْ يُبْصِرُونَ الْحَقَّ وَيَقُولُونَ بِهِ، حَتَّى إِذَا خَرَجُوا بِهِ مِنْ ظُلْمَةِ الْكُفْرِ أَطْفَئُوهُ بِكُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ فِيهِ فَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ هُدًى -[337]- وَلَا يَسْتَقِيمُونَ عَلَى حَقٍّ "
الصفحة 336