كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 1)

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيُّ، ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ الْأَشْجَعِيِّ: «§لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاءَ» ، وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ مُؤَمَّلٍ قَالَ: «لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الْأَسْمَاءَ»
حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «§لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْجَنَّةِ شَيْءٌ إِلَّا الْأَسْمَاءَ»
وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ " فِي قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] قَالَ: §يَعْرِفُونَ أَسْمَاءَهُ كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا، التُّفَّاحَ بِالتُّفَّاحِ، وَالرُّمَّانَ بِالرُّمَّانِ، قَالُوا فِي الْجَنَّةِ: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] فِي الدُّنْيَا {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] يَعْرِفُونَهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَهُ فِي الطَّعْمِ " -[417]- قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] فِي اللَّوْنِ وَالْمَنْظَرِ، وَالطَّعْمِ مُخْتَلِفٌ. يَعْنِي بِذَلِكَ اشْتِبَاهَ ثَمَرِ الْجَنَّةِ وَثَمَرِ الدُّنْيَا فِي الْمَنْظَرِ وَاللَّوْنِ، مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْمِ وَالذَّوْقِ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنَ الْعِلَّةِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] وَأَنَّ مَعْنَاهُ: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنَ الْجِنَّانِ مِنْ ثَمَرَةٍ مِنْ ثِمَارِهَا رِزْقًا قَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ هَذَا فِي الدُّنْيَا. فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أُتُوا بِمَا أُتُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ مُتَشَابِهًا، يَعْنِي بِذَلِكَ تَشَابُهَ مَا أُتُوا بِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ وَالَّذِي كَانُوا رُزِقُوهُ فِي الدُّنْيَا فِي اللَّوْنِ وَالْمَرْأَى وَالْمَنْظَرِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الطَّعْمِ وَالذَّوْقِ فَتَبَايَنَا، فَلَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَلِكَ نَظِيرٌ فِي الدُّنْيَا. وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] إِنَّمَا هُوَ قَوْلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِي تَشْبِيهِهِمْ بَعْضَ ثَمَرَاتِ الْجَنَّةِ بِبَعْضٍ، وَتِلْكَ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ ذَلِكَ الْقَوْلِ هِيَ الدَّلَالَةُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنِ الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَالَ الْقَوْمُ: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} [البقرة: 25] بِقَوْلِهِ: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} [البقرة: 25] وَيَسْأَلُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَيَزْعُمُ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ نَظِيرَ الشَّيْءِ مِمَّا فِي الدُّنْيَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَسْمَاءُ مَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ثِمَارِهَا وَأَطْعِمَتِهَا وَأَشْرِبَتِهَا نَظَائِرَ أَسْمَاءِ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْهَا؟ فَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ خَالَفَ نَصَّ كِتَابِ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا عَرَّفَ عِبَادَهُ فِي الدُّنْيَا مَا هُوَ عِنْدَهُ فِي الْجَنَّةِ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمِّي بِهَا مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ ذَلِكَ. -[418]- وَإِنْ قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ، بَلْ هُوَ كَذَلِكَ قِيلَ: فَمَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ أَلْوَانُ مَا فِيهَا مِنْ ذَلِكَ نَظَائِرُ أَلْوَانِ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْهُ بِمَعْنَى الْبَيَاضِ وَالْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَسَائِرِ صُنُوفِ الْأَلْوَانِ وَإِنْ تَبَايَنَتْ فَتَفَاضَلَتْ بِفَضْلِ حُسْنِ الْمَرْآةِ وَالْمَنْظَرِ، فَكَانَ لِمَا فِي الْجَنَّةِ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْبَهَاءِ وَالْجَمَالِ وَحُسْنِ الْمَرْآةِ وَالْمَنْظِرِ خِلَافَ الَّذِي لِمَا فِي الدُّنْيَا مِنْهُ كَمَا كَانَ جَائِزًا ذَلِكَ فِي الْأَسْمَاءِ مَعَ اخْتِلَافِ الْمُسَمَّيَاتِ بِالْفَضْلِ فِي أَجْسَامِهَا؟ ثُمَّ يَعْكِسُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ، فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا شَيْئًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ

الصفحة 416