كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 1)
وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " {§إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] أَيْ فِيكُمْ وَمِنْكُمْ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالْفَسَادِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ مِنْ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْخَلِيفَةِ أَهْلُ الطَّاعَةِ وَالْوَلَايَةِ لِلَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " {§إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] فَكَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ الْخَلِيفَةِ أَنْبِيَاءُ وَرُسُلٌ وَقَوْمٌ صَالِحُونَ وَسَاكِنُو الْجَنَّةِ " وَهَذَا الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّتِي قَالَتْ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ} [البقرة: 30] الدِّمَاءَ اسْتَفْظَعَتْ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ خَلْقٌ يَعْصِيهِ، وَعَجِبَتْ مِنْهُ إِذْ أُخْبِرَتْ أَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا -[511]- تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] يَعْنِي بِذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: إِنَّكُمْ لَتَعْجَبُونَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَتَسْتَفْظِعُونَهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ فِي بَعْضِكُمْ، وَتَصِفُونَ أَنْفُسَكُمْ بِصِفَةٍ أَعْلَمُ خِلَافَهَا مِنْ بَعْضِكُمْ وَتُعَرِّضُونَ بِأَمْرٍ قَدْ جَعَلْتُهُ لَغَيْرِكُمْ. وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا أَخْبَرَهَا رَبُّهَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ مِنْ ذُرِّيَّةِ خَلِيفَتِهِ مِنَ الْفَسَادِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ قَالَتْ لِرَبِّهَا: يَا رَبِّ أَجَاعِلٌ أَنْتَ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً مِنْ غَيْرِنَا يَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَعْصِيكَ أَمْ مِنَّا؟ فَإِنَّا نُعَظِّمُكَ وَنُصَلِّي لَكَ وَنُطِيعُكَ وَلَا نَعْصِيكَ. وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا عِلْمٌ بِمَا قَدِ انْطَوَى عَلَيْهِ كَشْحًا إِبْلِيسُ مِنَ اسْتِكْبَارِهِ عَلَى رَبِّهِ. فَقَالَ لَهُمْ رَبُّهُمْ: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُونَ مِنْ بَعْضِكُمْ. وَذَلِكَ هُوَ مَا كَانَ مَسْتُورًا عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ إِبْلِيسَ وَانْطِوَائِهِ عَلَى مَا قَدْ كَانَ انْطَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْكِبْرِ. وَعَلَى قِيلِهِمْ ذَلِكَ وَوَصْفِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالْعُمُومِ مِنَ الْوَصْفِ عُوتِبُوا
الصفحة 510