كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 1)

الْهَفْوَةِ، وَبَادَرُوا الْإِنَابَةَ مِنَ الزَّلَّةِ، كَمَا قَالَ نُوحٌ حِينَ عُوتِبَ فِي مَسْأَلَتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47] وَكَذَلِكَ فَعَلَ كُلُّ مُسَدَّدٍ لِلْحَقِّ مُوَفَّقٍ لَهُ، سَرِيعَةٌ إِلَى الْحَقِّ إِنَابَتُهُ، قَرِيبَةٌ إِلَيْهِ أَوْبَتُهُ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ قَوْلَهُ: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31] لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ ادَّعَوْا شَيْئًا، إِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ جَهْلِهِمْ بِعِلْمِ الْغَيْبِ وَعِلْمِهِ بِذَلِكَ وَفَضْلِهِ، فَقَالَ: أَنْبِئُونِي إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ؛ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَنْبِئْنِي بِهَذَا إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ؛ يُرِيدُ أَنَّهُ جَاهِلٌ. وَهَذَا قَوْلٌ إِذَا تَدَبَّرَهُ مُتَدَبِّرٌ عَلِمَ أَنَّ بَعْضَهُ مُفْسِدٌ بَعْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ قَائِلَهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِذْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ أَهْلَ الْأَسْمَاءِ: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ} [البقرة: 31] وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، وَلَا هُمُ ادَّعَوْا عِلْمَ شَيْءٍ يُوجِبُ أَنْ يُوَبَّخُوا بِهَذَا الْقَوْلِ. وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23] نَظِيرُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: أَنْبِئْنِي بِهَذَا إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ؛ يُرِيدُ أَنَّهُ جَاهِلٌ. وَلَا شَكَّ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: إِذْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ إِنَّمَا هُوَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، إِمَّا فِي قَوْلِكُمْ، وَإِمَّا فِي فِعْلِكُمْ؛ لِأَنَّ الصِّدْقَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِنَّمَا هُوَ صِدْقٌ فِي الْخَبَرِ لَا فِي الْعِلْمِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي لُغَةٍ مِنَ اللُّغَاتِ أَنْ يُقَالَ صَدَقَ

الصفحة 525