كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 2)

§وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} [البقرة: 75] ثُمَّ يُبَدِّلُونَ مَعْنَاهُ، وَتَأْوِيلُهُ: وَيُغَيِّرُونَهُ. وَأَصْلُهُ مِنَ انْحِرَافِ الشَّيْءِ عَنْ جِهَتِهِ، وَهُوَ مَيْلُهُ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا. فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {يُحَرِّفُونَهُ} [البقرة: 75] أَيْ يَمِيلُونَهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَمَعْنَاهُ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ إِلَى غَيْرِهِ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِتَأْوِيلِ مَا حَرَّفُوا، وَأَنَّهُ بِخِلَافِ مَا حَرَّفُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: {يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} [البقرة: 75] يَعْنِي مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوا تَأْوِيلَهُ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75] أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ فِي تَحْرِيفِهِمْ مَا حَرَّفُوا مِنْ ذَلِكَ مُبْطِلُونَ كَاذِبُونَ. وَذَلِكَ إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ إِقْدَامِهِمْ عَلَى الْبُهْتِ، وَمُنَاصَبَتِهِمُ الْعَدَاوَةَ لَهُ وَلِرَسُولِهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ بَقَايَاهُمْ مِنْ مُنَاصَبَتِهُمُ الْعَدَاوَةَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْيًا وَحَسَدًا عَلَى مِثْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَوَائِلُهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي عَصْرِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76]
§أَمَّا قَوْلُهُ: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: 14] فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنِ الَّذِينَ أَيْأَسَ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِيمَانِهِمْ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَهُمُ الَّذِينَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا آمَنَّا. يَعْنِي -[145]- بِذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ صَدَّقُوا بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالُوا آمَنَّا؛ أَيْ صَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا صَدَّقْتُمْ بِهِ وَأَقْرَرْنَا بِذَلِكَ. أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ تَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِ الْمُنَافِقِينَ وَسَلَكُوا مِنْهَاجَهُمْ

الصفحة 144