كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 2)

كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَصْلُ اللَّعْنِ: الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ وَالْإِقْصَاءُ، يُقَالُ: لَعَنَ اللَّهُ فُلَانًا يَلْعَنُهُ لَعْنًا وَهُوَ مَلْعُونٌ، ثُمَّ يُصْرَفُ مَفْعُولٌ فَيُقَالُ هُوَ لَعِينٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّمَّاخِ بْنِ ضِرَارٍ:
[البحر الوافر]
ذَعَرْتُ بِهِ الْقَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ ... مَكَانَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} [البقرة: 88] تَكْذِيبٌ مِنْهُ لِلْقَائِلِينَ مِنَ الْيَهُودِ: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [البقرة: 88] لِأَنَّ قَوْلَهُ: {بَلْ} [البقرة: 88] دَلَالَةٌ عَلَى جَحْدِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَإِنْكَارِهِ مَا ادَّعَوْا مِنْ ذَلِكَ؛ إِذْ كَانَتْ بَلْ لَا تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ إِلَّا نَقْضًا لِمَجْحُودٍ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبَيِّنٌ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ. فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا ذَلِكَ كَمَا زَعَمُوا، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَقْصَى الْيَهُودَ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَطَرَدَهُمْ عَنْهَا وَأَخْزَاهُمْ بِجُحُودِهِمْ لَهُ وَلِرُسُلِهِ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] . فَقَالَ بَعْضُهُمْ: -[233]- مَعْنَاهُ: فَقَلِيلٌ مِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ، أَيْ لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ

الصفحة 232