كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 2)
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يُفَرِّقُ السَّاحِرُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ؟ قِيلَ: قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى السِّحْرِ تَخْيِيلُ الشَّيْءِ إِلَى الْمَرْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي عَيْنِهِ وَحَقِيقَتُهُ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا بِالَّذِي اسْتَشْهَدْنَا عَلَيْهِ، فَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ تَخْيِيلُهُ بِسِحْرِهِ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَخْصَ الْآخَرِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ فِي حَقِيقَتِهِ مِنْ حُسْنٍ وَجَمَالٍ حَتَّى يُقَبِّحَهُ عِنْدَهُ فَيَنْصَرِفَ بِوَجْهِهِ وَيُعْرِضَ عَنْهُ، حَتَّى يُحْدِثَ الزَّوْجُ لِامْرَأَتِهِ فِرَاقًا، فَيَكُونُ السَّاحِرُ مُفَرِّقًا بَيْنَهُمَا بِإِحْدَاثِهِ السَّبَبَ الَّذِي كَانَ مِنْهُ فُرْقَةُ مَا بَيْنَهُمَا. وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَرَبَ تُضِيفُ الشَّيْءَ إِلَى مُسَبِّبِهِ مِنْ أَجْلِ تَسَبُّبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَاشَرَ فِعْلَ مَا حَدَثَ عَنِ السَّبَبِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ فَكَذَلِكَ تَفْرِيقُ السَّاحِرِ بِسِحْرِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَهُ عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " {§فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] وَتَفْرِيقِهِمَا أَنْ يُؤْخَذَ -[360]- كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، وَيُبَغَضَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ " وَأَمَّا الَّذِينَ أَبَوْا أَنْ يَكُونَ الْمَلَكَانِ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا} [البقرة: 102] إِلَى «فَيَتَعَلَّمُونَ» مَكَانَ مَا عَلَّمَاهُمْ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: لَيْتَ لَنَا كَذَا مِنْ كَذَا، أَيْ مَكَانَ كَذَا. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
جَمَعْتُ مِنَ الْخَيْرَاتِ وَطْبًا وَعُلْبَةً ... وَصَرًّا لِأَخْلَافِ الْمُزَمَّمَةِ الْبُزْلِ
وَمِنْ كُلِّ أَخْلَاقِ الْكِرَامِ نَمِيمَةً ... وَسَعْيًا عَلَى الْجَارِ الْمُجَاوِرِ بِالنَّجْلِ
يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: «جَمَعْتُ مِنَ الْخَيْرَاتِ» مَكَانَ خَيْرَاتِ الدُّنْيَا هَذِهِ الْأَخْلَاقَ الرَّدِيئَةَ وَالْأَفْعَالَ الدَّنِيئَةَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ:
[البحر الكامل]
صَلَدَتْ صَفَاتُكَ أَنْ تَلِينَ حُيُودُهَا ... وَوَرِثْتَ مِنْ سَلَفِ الْكِرَامِ عُقُوقَا
-[361]- يَعْنِي وَرِثْتَ مَكَانَ سَلَفِ الْكِرَامِ عُقُوقًا مِنْ وَالِدَيْكَ
الصفحة 359