كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 2)
وَحُذِفَتِ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} [البقرة: 67] وَهُوَ جَوَابٌ، لِاسْتِغْنَاءِ مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكَلَامِ عَنْهُ، وَحَسُنَ السُّكُوتُ عَلَى قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67] فَجَازَ لِذَلِكَ إِسْقَاطُ الْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا} [البقرة: 67] كَمَا جَازَ وَحَسُنَ إِسْقَاطُهَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا} [الحجر: 57] وَلَمْ يَقُلْ: فَقَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا، وَلَوْ قِيلَ: فَقَالُوا، كَانَ حَسَنًا أَيْضًا جَائِزًا، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ تَسْقُطْ مِنْهُ الْفَاءُ؛ وَذَلِكَ أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ قُمْتَ وَفَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ تَقُلْ: قُمْتَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، لِأَنَّهَا عَطْفٌ لَا اسْتِفْهَامٌ يُوقَفُ عَلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُمْ مُوسَى إِذْ قَالُوا لَهُ مَا قَالُوا إِنَّ الْمُخْبِرَ عَنِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْهُزْءِ وَالسُّخْرِيَةِ مِنَ الْجَاهِلِينَ وَبَرَّأَ نَفْسَهُ مِمَّا ظَنُّوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] يَعْنِي مِنَ السُّفَهَاءِ الَّذِينَ يَرْوُونَ عَنِ اللَّهِ الْكَذِبَ وَالْبَاطِلَ. وَكَانَ سَبَبُ قِيلِ مُوسَى لَهُمْ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [البقرة: 67]
مَا حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ: " §كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ عَقِيمٌ أَوْ عَاقِرٌ، قَالَ: فَقَتَلَهُ وَلِيُّهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَأَلْقَاهُ فِي سِبْطٍ غَيْرِ سِبْطِهِ. قَالَ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ فِيهِ الشَّرُّ، حَتَّى أَخَذُوا السِّلَاحَ. قَالَ: فَقَالَ أُولُو النُّهَى: أَتَقْتَتِلُونَ وَفِيكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: فَأَتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ: اذْبَحُوا بَقَرَةً. فَقَالُوا: {أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ} [البقرة: 68] إِلَى قَوْلِهِ: {فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [البقرة: 71] قَالَ: فَضُرِبَ فَأَخْبَرَهُمْ بِقَاتِلِهِ. قَالَ: وَلَمْ تُؤْخَذِ الْبَقَرَةُ إِلَّا بِوَزْنِهَا ذَهَبًا. قَالَ: وَلَوْ أَنَّهُمْ -[77]- أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، فَلَمْ يُوَرَّثْ قَاتِلٌ بَعْدَ ذَلِكَ "
الصفحة 76