كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 3)
تُنْكِحُوهُمْ، وَلَا تُنْكِحُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّهُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا؛ وَلَكِنِ اقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ، فَاعْمَلُوا بِهِ، وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يَدْعُوكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ. يَعْنِي بِذَلِكَ: يَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَمَلِ بِمَا يُدْخِلُكُمُ الْجَنَّةَ وَيُوجِبُ لَكُمُ النَّجَاةَ إِنْ عَمِلْتُمْ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَإِلَى مَا يَمْحُو خَطَايَاكُمْ أَوْ ذُنُوبَكُمْ فَيَعْفُو عَنْهَا، وَيَسْتُرُهَا عَلَيْكُمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {بِإِذْنِهِ} [البقرة: 213] فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ يَدْعُوكُمْ إِلَى ذَلِكَ بِإِعْلَامِهِ إِيَّاكُمْ سَبِيلَهُ وَطَرِيقَهُ الَّذِي بِهِ الْوُصُولُ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [البقرة: 221] يَقُولُ: وَيُوضِعُ حُجَجَهُ وَأَدِلَّتَهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ لِعِبَادِهِ لِيَتَذَكَّرُوا فَيَعْتَبِرُوا، وَيُمَيِّزُوا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا دُعَاءٌ إِلَى النَّارِ وَالْخُلُودِ فِيهَا، وَالْآخَرُ دُعَاءٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَغُفْرَانِ الذُّنُوبِ، فَيَخْتَارُوا خَيْرَهُمَا لَهُمْ. وَلَمْ يَجْهَلِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ هَاتَيْنِ إِلَّا غَبِيُّ الرَّأْيِ، مَدْخُولُ الْعَقْلِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222]
§يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] وَيَسْأَلُكَ يَا مُحَمَّدُ أَصْحَابُكَ عَنِ الْحَيْضِ وَقِيلَ «الْمَحِيضِ» لِأَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْفِعْلِ مَاضِيهِ بِفَتْحِ عَيْنِ الْفِعْلِ وَكَسْرِهَا فِي الِاسْتِقْبَالِ، مِثْلَ قَوْلِ الْقَائِلِ: ضَرَبَ يَضْرِبُ، وَحَبَسَ يَحْبِسُ، وَنَزَلَ يَنْزِلُ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تَبْنِي مَصْدَرَهُ عَلَى الْمَفْعِلِ، وَالِاسْمُ عَلَى الْمَفْعَلِ مِثْلَ الْمَضْرِبِ وَالْمَضْرَبِ مِنْ ضَرَبْتُ، وَنَزَلْتُ مَنْزِلًا وَمَنْزَلًا. وَمَسْمُوعٌ فِي ذَوَاتِ الْيَاءِ وَالْأَلِفِ الْمَعِيشِ وَالْمَعَاشِ وَالْمَعِيبِ وَالْمُعَابِ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ فِي الْمَعِيشِ:
[البحر الرجز]
الصفحة 720