كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 4)
الْوَجْهِ مَعْصِيَةٌ مِنْهَا لِلَّهِ، وَتِلْكَ هِيَ الْمُخْتَلِعَةُ إِنْ خُولِعَتْ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ الَّتِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمَّاهَا مُنَافِقَةً
كَمَا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثني الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «§أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتُ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا رَائِحَةَ الْجَنَّةِ»
وَقَالَ: «§الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا مُزَاحِمُ بْنُ ذَوَّادَ بْنِ عُلْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ ثَوْبَانَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «§الْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: ثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِ §الْمُخْتَلِعَاتِ الْمُنْتَزِعَاتِ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَا جَمِيعًا: ثنا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَمَّنْ، حَدَّثَهُ، عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «§أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا -[152]- رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَارِمٌ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ فَإِذَا كَانَ مِنْ وُجُوهِ افْتِدَاءِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا مَا تَكُونُ بِهِ حَرِجَةً، وَعَلَيْهَا فِي افْتِدَائِهَا نَفْسَهَا عَلَى ذَلِكَ الْحَرَجُ، وَالْجُنَاحُ، وَكَانَ مِنْ وُجُوهِهِ مَا يَكُونُ الْحَرَجُ، وَالْجُنَاحُ فِيهِ عَلَى الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ، وَمِنْهُ مَا يَكُونُ عَلَيْهِمَا، وَمِنْهُ مَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهِ حَرَجٌ وَلَا جُنَاحٌ. قِيلَ فِي الْوَجْهِ: الَّذِي لَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا فِيهِ لَا جُنَاحَ إِذْ كَانَ فِيمَا حَاوَلَا وَقَصَدَا مِنِ افْتِرَاقِهِمَا بِالْجُعْلِ الَّذِي بَذَلَتْهُ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا لَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُمَا، وَذَلِكَ، أَنْ يَخَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ بِمَقَامِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ فِيَ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ: فَلَا جُنَاحَ عَلَى الرَّجُلِ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ دُونَ الْمَرْأَةِ، وَإِنْ كَانَا قَدْ ذَكَرَا جَمِيعًا كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وَهُمَا مِنَ الْمِلْحِ لَا مِنَ الْعَذْبِ، قَالَ: وَمِثْلُهُ. {فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا} [الكهف: 61] وَإِنَّمَا النَّاسِي صَاحِبُ مُوسَى وَحْدَهُ؛ قَالَ: -[153]- وَمِثْلُهُ فِي الْكَلَامِ أَنْ تَقُولَ: عِنْدِي دَابَّتَانِ أَرْكَبُهُمَا " وَأَسْقِي عَلَيْهِمَا وَإِنَّمَا تَرْكَبُ إِحْدَاهُمَا وَتَسْقِي عَلَى الْأُخْرَى، وَهَذَا مِنْ سَعَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي يُحْتَجُّ بِسَعَتِهَا فِي الْكَلَامِ. قَالَ: وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَشْتَرِكَا جَمِيعًا فِي أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِمَا جُنَاحٌ، إِذْ كَانَتْ تُعْطِي مَا قَدْ نُفِيَ عَنِ الزَّوْجِ فِيهِ الْإِثْمُ. اشْتَرَكَتْ فِيهِ، لِأَنَّهَا إِذَا أَعْطَتْ مَا يُطْرَحُ فِيهِ الْمَأْثَمُ احْتَاجَتْ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَلَمْ يُصِبِ الصَّوَابَ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَلَا فِي احْتِجَاجِهِ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ قَوْلِهِ: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] فَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [البقرة: 229] فَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَ صَوَابِهِ، وَسَنُبَيِّنُ وَجْهَ قَوْلِهِ: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] فِي مَوْضِعِهِ إِذَا أَتَيْنَا عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَإِنَّمَا خَطَّأْنَا قَوْلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ وَضْعِهِ الْحَرَجَ عَنِ الزَّوْجَيْنِ إِذَا افْتَدَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى مَا أَذِنَ، وَأَخْبَرَ عَنِ الْبَحْرَيْنِ أَنَّ مِنْهُمَا يَخْرُجُ اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ، فَأَضَافَ إِلَى اثْنَيْنِ، فَلَوْ جَازَ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ أَحَدِهِمَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِيلًا أَنْ يَكُونَ عَنْهُمَا جَازَ فِي كُلِّ خَبَرٍ كَانَ عَنِ اثْنَيْنِ غَيْرِ مُسْتَحِيلَةٍ صِحَّتُهُ أَنْ يَكُونَ عَنْهُمَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ أَحَدِهِمَا، وَذَلِكَ قَلْبُ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ وَالْمَعْرُوفُ مِنَ اسْتِعْمَالِهِمْ فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ، وَغَيْرُ جَائِزٍ حَمْلِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ عَلَى الشَّوَاذِ مِنَ الْكَلَامِ وَلَهُ فِي الْمَفْهُومِ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ وَجْهٌ صَحِيحٌ مَوْجُودٌ. ثُمَّ اخْتَلَفُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] أَمَعْنِيُّ بِهِ: أَنَّهُمَا مَوْضُوعٌ عَنْهُمَا الْجُنَاحُ فِي كُلِّ مَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ شَيْءٍ أَمْ فِي -[154]- بَعْضِهِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ صَدَاقِهَا الَّذِي كَانَ آتَاهَا زَوْجُهَا الَّذِي تَخْتَلِعُ مِنْهُ وَاحْتَجُّوا فِي قَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِأَنَّ آخِرَ الْآيَةِ مَرْدُودٌ عَلَى أَوَّلِهَا، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ. قَالُوا: فَالَّذِي أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي كَانَ حَظَرَ عَلَيْهِمَا قَبْلَ حَالِ الْخَوْفِ عَلَيْهِمَا مِنْ ذَلِكَ. وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقِصَّةِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَمَرَ امْرَأَتَهُ إِذْ نَشَزَتْ عَلَيْهِ أَنَّ تُرَدَّ مَا كَانَ ثَابِتٌ أَصْدَقَهَا، وَأَنَّهَا عَرَضَتِ الزِّيَادَةَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الصفحة 151