كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 4)

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: {§وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} يَقُولُ: «لَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُهُمَا»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {§وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} قَالَ: «لَا يَعُزُّ عَلَيْهِ حِفْظُهُمَا» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: {حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] مِنْ ذِكْرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ حِفْظُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
§وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَهُوَ الْعَلِيُّ} [البقرة: 255] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاللَّهُ الْعَلِيُّ، وَالْعَلِيُّ: الْفَعِيلُ مِنْ قَوْلِكَ عَلَا يَعْلُو عُلُوًّا: إِذَا ارْتَفَعَ، فَهُوَ عَالٍ وَعَلِيُّ، وَالْعَلِيُّ: ذُو الْعُلُوِّ وَالِارْتِفَاعِ عَلَى خَلْقِهِ بِقُدْرَتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {الْعَظِيمُ} [البقرة: 105] ذُو الْعَظَمَةِ، الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، فَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ
كَمَا: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «§الْعَظِيمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ فِي عَظَمَتِهِ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَحْثِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَهُوَ الْعَلِيُّ} [البقرة: 255] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِذَلِكَ: وَهُوَ الْعَلِيُّ عَنِ النَّظِيرِ وَالْأَشْبَاهِ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْمَكَانِ، وَقَالُوا: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ مَكَانٌ، وَلَا مَعْنَى لِوَصْفِهِ بِعُلُوِّ الْمَكَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَصَفُهُ بِأَنَّهُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ. -[545]- وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَهُوَ الْعَلِيُّ عَلَى خَلْقِهِ بِارْتِفَاعِ مَكَانِهِ عَنْ أَمَاكِنِ خَلْقِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ وَخَلْقُهُ دُونَهُ، كَمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَنَّهُ عَلَى الْعَرْشِ، فَهُوَ عَالٍ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الْعَظِيمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْمُعَظَّمُ صَرَفَ الْمُفَعَّلُ إِلَى فَعِيلٍ، كَمَا قِيلِ لِلْخَمْرِ الْمُعَتَّقَةِ: خَمْرٌ عَتِيقٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الخفيف]
وَكَأَنَّ الْخَمْرَ الْعَتِيقَ مِنَ الْإِسْ ... فَنْطِ مَمْزُوجَةٌ بِمَاءٍ زُلَالِ
وَإِنَّمَا هِيَ مُعَتَّقَةٌ، قَالُوا: فَقَوْلُهُ {الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] مَعْنَاهُ: الْمُعَظَّمُ الَّذِي يُعَظِّمُهُ خَلْقُهُ وَيَهَابُونَهُ وَيَتَّقُونَهُ قَالُوا: وَإِنَّمَا يَحْتَمِلُ قَوْلُ الْقَائِلِ: هُوَ عَظِيمٌ أَحَدَ مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ مُعَظَّمٌ؛ وَالْآخَرُ أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الْمِسَاحَةِ وَالْوَزْنِ، قَالُوا: وَفِي بُطُولِ الْقَوْلِ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَظِيمٌ فِي الْمِسَاحَةِ وَالْوَزْنِ صِحَّةُ الْقَوْلِ بِمَا قُلْنَا. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {الْعَظِيمُ} [البقرة: 255] هُوَ أَنَّ لَهُ عَظَمَةً هِيَ لَهُ صِفَةٌ، وَقَالُوا: لَا نَصِفُ عَظَمَتَهُ بِكَيْفِيَّةٍ، وَلَكِنَّا نُضِيفُ ذَلِكَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الْإِثْبَاتِ، وَنَنْفِي عَنْهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى مُشَابَهَةِ الْعِظَمِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ لَهُ بِخَلْقِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَأَنْكَرَ هَؤُلَاءِ مَا قَالَهُ أَهْلَ الْمَقَالَةُ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا، وَقَالُوا: لَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مُعَظَّمٌ، لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَانَ غَيْرَ عَظِيمٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ، وَأَنْ يَبْطُلَ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ؛ لِأَنَّهُ لَا مُعَظِّمَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَوْلُهُ: إِنَّهُ الْعَظِيمُ وَصْفٌ مِنْهُ نَفْسَهُ بِالْعِظَمِ، وَقَالُوا: كُلُّ مَا -[546]- دُونَهُ مِنْ خَلْقِهِ فَبِمَعْنَى الصِّغَرِ لِصِغَرِهِمْ عَنْ عَظَمَتِهِ

الصفحة 544