كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 4)
وَأَحْسَبُ أَنَّ مُجَاهِدًا وَالرَّبِيعَ وَمَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِمَا رَأَوْا أَنَّ قَوْلَهُ: {لَمْ يَتَسَنَّهْ} [البقرة: 259] مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {مِنْ حَمَإِ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26] بِمَعْنَى الْمُتَغَيِّرِ الرِّيحِ بِالنَّتْنِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: تَسَنَّنَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ الدَّلَالَةَ فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ. فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ مِنَ الْآسِنِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَسِنَ هَذَا الْمَاءُ يَأْسَنُ أَسَنًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} [محمد: 15] فَإِنَّهُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْكَلَامُ: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَأَسَّنْ، وَلَمْ يَكُنْ يَتَسَنَّهْ، فَإِنَّهُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّهُ تَرَكَ هَمْزَهُ، قِيلَ: فَإِنَّهُ وَإِنْ تَرَكَ هَمْزَهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ تَشْدِيدُ نُونِهِ؛ لِأَنَّ النُّونَ غَيْرُ مُشَدَّدَةٍ، وَهِيَ فِي يَتَسَنَّهْ مُشَدَّدَةٌ، وَلَوْ نُطِقَ مِنْ يَتَأَسَّنُ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ لَقِيلَ يَتَسَنْ بِتَخْفِيفِ نُونِهِ بِغَيْرِ هَاءٍ تَلْحَقُ فِيهِ، فَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَسَنِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} [البقرة: 259] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ} [البقرة: 259] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَانْظُرْ إِلَى إِحْيَائِي حِمَارَكَ، وَإِلَى عِظَامِهِ كَيْفَ أُنْشِزُهَا ثُمَّ أَكْسُوهَا لَحْمًا ثُمَّ اخْتَلَفَ مُتَأَوِّلُو ذَلِكَ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَلِكَ لَهُ -[607]- بَعْدَ أَنْ أَحْيَاهُ خَلْقًا سَوِيًّا، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ حِمَارَهُ؛ تَعْرِيفًا مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِهِ الْقَرْيَةَ الَّتِي رَآهَا خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، فَقَالَ: {أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا} [البقرة: 259] مُسْتَنْكِرًا إِحْيَاءَ اللَّهِ إِيَّاهَا
الصفحة 606