كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 4)
أَنَّ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ أَوْصَالَ الْمَوْتَى لَبَعْثِ الْقِيَامَةِ، وَتَأْلِيفَهُ أَجْزَاءَهُمْ بَعْدَ الْبِلَى وَرَدَّ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِمْ إِلَى مَوْضِعِهِ كَالَّذِي كَانَ قَبْلَ الرَّدِّ. وَالْجُزْءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ الْبَعْضُ مِنْهُ كَانَ مُنْقَسِمًا جَمِيعُهُ عَلَيْهِ عَلَى صِحَّةٍ أَوْ غَيْرَ مُنْقَسِمٍ، فَهُوَ بِذَلِكَ مِنْ مَعْنَاهُ مُخَالِفٌ مَعْنَى السَّهْمِ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ مِنَ الشَّيْءِ: هُوَ الْبَعْضُ الْمُنْقَسِمُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ عَلَى صِحَّةٍ، وَلِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ فِي كَلَامِهِمْ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ أَنْصِبَاءَهُمْ مِنَ الْمَوَارِيثِ السِّهَامَ دُونَ الْأَجْزَاءِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {ثُمَّ ادْعُهُنَّ} [البقرة: 260] فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْتُ آنِفًا عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَقُولَ لِأَجْزَاءِ الْأَطْيَارِ بَعْدَ تَفْرِيقِهِنَّ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ تَعَالَيْنَ بِإِذْنِ اللَّهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَدَعُوَهُنَّ وَهُنَّ مُمَزَّقَاتٌ أَجْزَاءً عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ أَمْوَاتًا، أَمْ بَعْدَ مَا أُحْيِينَ؟ فَإِنْ كَانَ أُمِرَ أَنْ يَدَعُوَهُنَّ وَهُنَّ مُمَزَّقَاتٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهِنَّ، فَمَا وَجْهُ أَمْرِ مَنْ لَا حَيَاةَ فِيهِ بِالْإِقْبَالِ؟ وَإِنْ كَانَ أُمِرَ بِدُعَائِهِنَّ بَعْدَ مَا أُحْيِينَ، فَمَا كَانَتْ حَاجَةُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى دُعَائِهِنَّ وَقَدْ أَبْصَرَهُنَّ يُنْشَرْنَ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ؟ قِيلَ: إِنَّ أَمْرَ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُعَائِهِنَّ وَهُنَّ أَجْزَاءٌ مُتَفَرِّقَاتٌ إِنَّمَا هُوَ أَمْرُ تَكْوِينٍ، كَقَوْلِ اللَّهِ لِلَّذِينَ مَسَخَهُمْ قِرَدَةً بَعْدَ مَا كَانُوا إِنْسًا: {كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] لَا أَمْرَ عِبَادَةٍ، فَيَكُونُ مُحَالًا إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ الْمُتَعَبِّدِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 260] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَاعْلَمْ يَا إِبْرَاهِيمُ أَنَّ الَّذِيَ أَحْيَا هَذِهِ الْأَطْيَارَ بَعْدَ تَمْزِيقِكَ إِيَّاهُنَّ، وَتَفْرِيقِكَ أَجْزَاءَهُنَّ عَلَى الْجِبَالِ، فَجَمَعَهُنَّ وَرَدَّ إِلَيْهِنَّ الرُّوحَ، حَتَّى -[650]- أَعَادَهُنَّ كَهَيْئَتِهِنَّ قَبْلَ تَفْرِيقِهِنَّ، {عَزِيزٌ} [البقرة: 209] فِي بَطْشِهِ إِذَا بَطَشَ بِمَنْ بَطَشَ مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَالْمُتَكَبِّرَةِ الَّذِينَ خَالِفُوا أَمَرَهُ، وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وعَبَدُوا غَيْرَهُ، وَفِي نِقْمَتِهِ حَتَّى يَنْتَقِمَ مِنْهُمْ، {حَكِيمٌ} [البقرة: 209] فِي أَمْرِهِ
الصفحة 649