كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 5)
غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الَّذِي نَقُولُ بِهِ فِي الَّذِي يُدْعَى لِشَهَادَةٍ لِيَشْهَدَ عَلَيْهَا إِذَا كَانَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ بِهِ سِوَاهُ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلشَّهَادَةِ، فَإِنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِ إِجَابَةُ دَاعِيهِ إِلَيْهَا كَمَا فُرِضَ عَلَى الْكَاتِبِ إِذَا اسْتُكْتِبَ بِمَوْضِعٍ لَا كَاتِبَ بِهِ سِوَاهُ، فَفُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ، كَمَا فُرِضَ عَلَى مَنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا أَحَدَ بِهِ سِوَاهُ يَعْرِفُ الْإِيمَانَ وَشَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فَحَضَرَهُ جَاهِلٌ بِالْإِيمَانِ وَبِفَرَائِضِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ تَعْلِيمَهُ وَبَيَانَ ذَلِكَ لَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ وَيُبَيِّنَهُ لَهُ، وَلَمْ نُوجِبْ مَا أَوْجَبْنَا عَلَى الرَّجُلِ مِنَ الْإِجَابَةِ لِلشَّهَادَةِ إِذَا دُعِيَ ابْتِدَاءً لِيَشْهَدَ عَلَى مَا أُشْهِدَ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَكِنْ بِأَدِلَّةٍ سِوَاهَا، وَهِيَ مَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ فَرَضْنَا عَلَى الرَّجُلِ إِحْيَاءَ مَا قَدَرَ عَلَى إِحْيَائِهِ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، وَالشُّهَدَاءُ جَمْعُ شَهِيدٍ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} [البقرة: 282] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَلَا تَسْأَمُوا أَيُّهَا الَّذِينَ تُدَايِنُونَ النَّاسَ إِلَى أَجَلٍ أَنْ تَكْتُبُوا صَغِيرَ الْحَقِّ، يَعْنِي قَلِيلَهُ أَوْ كَبِيرَهُ يَعْنِي أَوْ كَثِيرَهُ {إِلَى أَجَلِهِ} [البقرة: 282] إِلَى أَجَلِ الْحَقِّ، فَإِنَّ الْكِتَابَ أَحْصَى لِلْأَجَلِ وَالْمَالِ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: {§وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ} [البقرة: 282] قَالَ: «هُوَ الدَّيْنُ» -[103]- وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَلَا تَسْأَمُوا} [البقرة: 282] لَا تَمَلُّوا، يُقَالُ مِنْهُ: سَئِمْتُ فَأَنَا أَسْأَمُ سَآمَةً وَسَأْمَةً، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
[البحر الكامل]
وَلَقَدْ سَئِمْتُ مِنَ الْحَيَاةِ وَطُولِهَا ... وُسُؤَالِ هَذَا النَّاسِ: كَيْفَ لَبِيدُ
؟ وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
[البحر الطويل]
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ ... ثَمَانِينَ حَوْلًا لَا أَبَا لَكَ يَسْأَمِ
يَعْنِي مَلِلْتُ. وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ: تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {إِلَى أَجَلِهِ} [البقرة: 282] إِلَى أَجَلِ الشَّاهِدِ، وَمَعْنَاهُ: إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِيهِ
الصفحة 102