كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 5)

وَالْأَسْمَاءِ إِذَا حَلَّتْ مَحَلَّ الْأَمْرِ، وَأَدَّتْ عَنْ مَعْنَى الْأَمْرِ نَصَبَتْهَا، فَيَقُولُونَ: شُكْرًا لِلَّهِ يَا فُلَانُ، وَحَمْدًا لَهُ، بِمَعْنَى: أَشْكُرُ اللَّهَ وَأَحْمَدُهُ، وَالصَّلَاةَ الصَّلَاةَ: بِمَعْنَى صَلُّوا. وَيَقُولُونَ فِي الْأَسْمَاءِ: اللَّهَ اللَّهَ يَا قَوْمُ، وَلَوْ رُفِعَ بِمَعْنَى هُوَ اللَّهُ، أَوْ هَذَا اللَّهُ وَوُجِّهَ إِلَى الْخَبَرِ وَفِيهِ تَأْوِيلُ الْآمِرِ كَانَ جَائِزًا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الخفيف]
إِنَّ قَوْمًا مِنْهُمْ عُمَيْرٌ وَأَشْبَا ... هُ عُمَيْرٍ وَمِنْهُمُ السَّفَّاحُ
لَجَدِيرُونَ بِالْوَفَاءِ إِذَا قَا ... لَ أَخُو النَّجْدَةِ السِّلَاحُ السِّلَاحُ
وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا} [البقرة: 285] جَاءَ رَفْعًا فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَكُنْ خَطَأً، بَلْ كَانَ صَوَابًا عَلَى مَا وَصَفْنَا. وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَنَاءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحْسَنَ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَّتِكَ الثَّنَاءَ، فَسَلْ رَبَّكَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: " لَمَّا أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {§آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285] قَالَ جِبْرِيلُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ، وَعَلَى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهْ، فَسَأَلَ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ "
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 286]-[153]- يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] فَيَتَعَبَّدُهَا إِلَّا بِمَا يَسَعُهَا، فَلَا يُضَيِّقُ عَلَيْهَا، وَلَا يُجْهِدُهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ الْوُسْعَ اسْمٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَسِعَنِي هَذَا الْأَمْرُ مِثْلَ: الْجُهْدُ وَالْوَجْدُ مِنْ جَهَدَنِي هَذَا الْأَمْرُ وَوَجَدْتُ مِنْهُ

الصفحة 152