كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 5)
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ، وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ، وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ، فَكَنَّى بِقَوْلِهِ ذَلِكَ عَنْ جَمِيعِهِنَّ، وَهَذَا يَدُلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلَى الْأَشْيَاءِ الْكَثِيرَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْمَعَانِي، وَيُكَنَّى بِهِ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [آل عمران: 14] فَإِنَّهُ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمَّا يَسْتَمْتِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُهَا أَحْيَاءً، فَيَتَبَلَّغُونَ بِهِ فِيهَا، وَيَجْعَلُونَهُ وَصِلَةً فِي مَعَايشِهِمْ، وَسَبَبًا لِقَضَاءِ شَهَوَاتِهِمُ الَّتِي زُيِّنَ لَهُمْ حُبُّهَا، فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ، دُونَ أَنْ يَكُونَ عُدَّةً لِمَعَادِهِمْ وَقُرْبَةً لَهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ، إِلَّا مَا أَسْلَكَ فِي سَبِيلِهِ وَأَنْفَقَ مِنْهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَعِنْدَ اللَّهِ حُسْنُ الْمَآبِ، يَعْنِي حُسْنَ الْمَرْجِعِ.
كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: {§وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] يَقُولُ: «حُسْنُ الْمُنْقَلَبِ، وَهِيَ الْجَنَّةُ» وَهُوَ مَصْدَرٌ عَلَى مِثَالِ «مَفْعَلٍ» مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: آبَ الرَّجُلُ إِلَيْنَا: إِذَا رَجَعَ، فَهُوَ يَئُوبُ إِيَابًا وَأَوْبَةً وَأَيْبَةً وَمَآبًا غَيْرَ أَنَّ مَوْضِعَ الْفَاءِ مِنْهَا مَهْمُوزٌ، وَالْعَيْنُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْوَاوِ -[268]- إِلَى الْأَلْفِ بِحَرَكَتِهَا إِلَى الْفَتْحِ، فَلَمَّا كَانَ حَظُّهَا الْحَرَكَةَ إِلَى الْفَتْحِ، وَكَانَتْ حَرَكَتُهَا مَنْقُولَةً إِلَى الْحَرْفِ الَّذِي قَبْلَهَا وَهُوَ فَاءُ الْفِعْلِ انْقَلَبَتْ فَصَارَتْ أَلْفًا، كَمَا قِيلَ: قَالَ: فَصَارَتْ عَيْنُ الْفِعْلِ أَلْفًا؛ لِأَنَّ حَظَّهَا الْفَتْحُ، وَالْمَآبُ مِثْلُ الْمَقَالِ وَالْمَعَادِ وَالْمَحَالِ، كُلُّ ذَلِكَ «مَفْعَلٌ» ، مَنْقُولَةٌ حَرَكَةُ عَيْنِهِ إِلَى فَائِهِ، فَتَصِيرُ وَاوُهُ أَوْ يَاؤُهُ أَلْفًا لِفَتْحَةِ مَا قَبْلَهَا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] وَقَدْ عَلِمْتَ مَا عِنْدَهُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَلِيمِ الْعَذَابِ وَشَدِيدِ الْعِقَابِ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مَعْنًى بِهِ خَاصٌّ مِنَ النَّاسِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ، وَقَدْ أَنْبَأَنَا عَنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي تَلِيهَا، فَإِنْ قَالَ: وَمَا حُسْنُ الْمَآبِ؟ قِيلَ: هُوَ مَا وَصَفَهُ بِهِ جَلَّ ثناؤُهُ، وَهُوَ الْمَرْجِعُ إِلَى جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ مُخَلَّدًا فِيهَا، وَإِلَى أَزْوَاجٍ مُطَهَّرَةٍ وَرِضْوَانٍ مِنَ اللَّهِ
الصفحة 267