كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 5)
السُّفُنَ، وَإِنَّمَا رَكِبَ سَفِينَةً وَاحِدَةً، وَكَمَا يُقَالُ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا الْخَبَرَ؟ فَيُقَالُ: مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مِنْهُ قَوْلَهُ: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} [آل عمران: 173] وَالْقَائِلُ كَانَ فِيمَا ذُكِرَ وَاحِدًا، وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ} [الروم: 33] وَالنَّاسُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ فِيمَا لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ قَصْدٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، أَعِنِّي التَّاءَ وَالْيَاءَ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ، وَهُمَا جَمِيعًا فَصِيحَتَانِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِنْ كَانَ مُرَادًا بِهَا جِبْرِيلُ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّ التَّأْنِيثَ فِي فِعْلِهَا فَصِيحٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِلَفْظِهَا إِنْ تَقَدَّمَهَا الْفِعْلُ، وَجَائِزٌ فِيهِ التَّذْكِيرُ لِمَعْنَاهَا، وَإِنْ كَانَ مُرَادًا بِهَا جَمْعُ الْمَلَائِكَةِ فَجَائِزٌ فِي فِعْلِهَا التَّأْنِيثُ، وَهُوَ مِنْ قِبَلِهَا لِلَفْظِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا قَدَّمَتْ عَلَى الْكَثِيرِ مِنَ الْجَمَاعَةِ فِعْلَهَا أَنَّثَتْهُ، فَقَالَتْ: قَالَتِ النِّسَاءُ، وَجَائِزٌ التَّذْكِيرُ فِي فِعْلِهَا بِنَاءً عَلَى الْوَاحِدِ إِذَا تَقَدَّمَ فِعْلُهُ، فَيُقَالُ: قَالَ الرِّجَالُ. وَأَمَّا الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَأَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ نَادَتْهُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ دُونَ الْوَاحِدِ وَجِبْرِيلُ وَاحِدٌ فَلَنْ يَجُوزَ أَنْ يُحْمَلَ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ إِلَّا عَلَى الْأَظْهَرِ الْأَكْثَرِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي أَلْسُنِ الْعَرَبِ، دُونَ الْأَقَلِّ مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، وَلَمْ يَضْطَرَّنَا حَاجَةٌ إِلَى صَرْفِ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، فَيَحْتَاجُ لَهُ إِلَى طَلَبِ الْمَخْرَجِ بِالْخَفِيِّ مِنَ الْكَلَامِ وَالْمَعَانِي. وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ
الصفحة 365