كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 5)

حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدٍ الرُّصَافِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرٍ، قَالَ: ثنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ جُوَيْبِرِ بْنِ نُفَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: {§قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} [آل عمران: 41] قَالَ: «رَبَا لِسَانُهُ فِي فِيهِ حَتَّى مَلَأَهُ، ثُمَّ أَطْلَقَهُ اللَّهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ» وَإِنَّمَا اخْتَارَتِ الْقُرَّاءُ النَّصْبَ فِي قَوْلِهِ: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ} [آل عمران: 41] لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: قَالَ: آيَتُكَ أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَكَانَتْ «أَنْ» هِيَ الَّتِي تَصْحَبُ الِاسْتِقْبَالَ دُونَ الَّتِي تَصْحَبُ الْأَسْمَاءَ فَتَنْصِبَهَا، وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى فِيهِ: آيَتُكَ أَنَّكَ لَا تُكَلِّمُ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: أَيْ أَنَّكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، كَانَ وَجْهُ الْكَلَامِ الرَّفْعَ، لِأَنَّ «أَنْ» كَانَتْ تَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الثَّقِيلَةِ خُفِّفَتْ، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَائِزًا لِمَا وَصَفْتُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ بِالْمَعْنَى الْآخَرِ، وَأَمَّا الرَّمْزُ فَإِنَّ الْأَغْلَبَ مِنْ مَعَانِيهِ عِنْدَ الْعَرَبِ الْإِيمَاءُ بِالشَّفَتَيْنِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِيمَاءِ بِالْحَاجِبَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ أَحْيَانًا، وَذَلِكَ غَيْرُ كَثِيرٍ فِيهِمْ، وَقَدْ يُقَالُ لِلْخَفِيِّ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الْهَمْسِ بِخَفْضِ الصَّوْتِ: الرَّمْزُ، وَمِنْهُ قَوْلُ جُؤَيَّةَ بْنِ عَائِذٍ:
[البحر الوافر]

الصفحة 387