كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 5)
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {§إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44] «اقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: {§وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} [آل عمران: 44] قَالَ: «حَيْثُ اقْتَرَعُوا عَلَى مَرْيَمَ، وَكَانَ غَيْبًا عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَخْبَرَهُ اللَّهُ» وَإِنَّمَا قِيلَ: {أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44] لِأَنَّ إِلْقَاءَ الْمُسْتَهِمِينَ أَقْلَامَهُمْ عَلَى مَرْيَمَ إِنَّمَا كَانَ لِيَنْظُرُوا أَيُّهُمْ أَوْلَى بِكَفَالَتِهَا وَأَحَقُّ، فَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ} [آل عمران: 44] دَلَالَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَهُوَ: «لِيَنْظُرُوا أَيُّهُمْ يَكْفُلُ وَلِيَتَبَيَّنُوا ذَلِكَ وَيَعْلَمُوهُ» . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي «أَيُّهُمْ» النَّصْبُ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّظَرَ وَالتَّبَيُّنَ وَالْعِلْمَ مَعَ «أَيِّ» يَقْتَضِي اسْتِفْهَامًا وَاسْتِخْبَارًا، وَحَظُّ «أَيِّ» فِي الِاسْتِخْبَارِ الِابْتِدَاءُ، وَبِطُولِ عَمَلِ الْمَسْأَلَةِ وَالِاسْتِخْبَارِ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: لَأَنْظُرَنَّ أَيُّهُمْ قَامَ، لَأَسْتَخْبِرَنَّ النَّاسَ أَيُّهُمْ قَامَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَأَعْلَمَنَّ، وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ مَعْنَى يَكْفُلُ يَضُمُّ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44]-[406]- يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَمَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ قَوْمِ مَرْيَمَ، إِذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا أَيُّهُمْ أَحَقُّ بِهَا وَأَوْلَى، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَوْبِيخٌ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، يَقُولُ: كَيْفَ يَشُكُّ أَهْلُ الْكُفْرِ بِكَ مِنْهُمْ، وَأَنْتَ تُنْبِئُهُمْ هَذِهِ الْأَنْبَاءَ وَلَمْ تَشْهَدْهَا وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُمْ يَوْمَ فَعَلُوا هَذِهِ الْأُمُورَ، وَلَسْتَ مِمَّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ فَعَلِمَ نَبَأَهُمُ، وَلَا جَالِسَ أَهْلَهَا فَسَمِعَ خَبَرَهُمْ
الصفحة 405