كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 7)

§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: 55] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} [النساء: 47] , {مَنْ آمَنَ بِهِ} [النساء: 55] يَقُولُ: " مَنْ صَدَّقَ بِمَا أَنْزَلْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ {وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} [النساء: 55] وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ، كَمَا:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: {فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ} [النساء: 55] قَالَ: " §بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنْ يَهُودَ {وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ} [النساء: 55] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ

-[162]- وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ صَدُّوا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رُفِعَ عَنْهُمْ وَعِيدُ اللَّهِ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47] : فِي الدُّنْيَا , وَأُخِّرَتْ عُقُوبَتُهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , لِإِيمَانِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ. وَإِنَّ الْوَعِيدَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَقَامِ جَمِيعِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا آمَنَ بَعْضُهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا , وَأُخِّرَتْ عُقُوبَةُ الْمُقِيمِينَ عَلَى التَّكْذِيبِ إِلَى الْآخِرَةِ , فَقَالَ لَهُمْ: كَفَاكُمْ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا. وَيَعْنِي قَوْلُهُ: {وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: 55] وَحَسْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّي وَرَسُولِي بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا , يَعْنِي: بِنَارِ جَهَنَّمَ تُسَعَّرُ عَلَيْكُمْ: أَيْ تُوقَدُ عَلَيْكُمْ. وَقِيلَ: {سَعِيرًا} [النساء: 10] أَصْلُهُ مَسْعُورًا , مِنْ سُعِّرَتْ تُسَعَّرُ فَهِيَ مَسْعُورَةٌ , كَمَا قَالَ اللَّهُ: {وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ} [التكوير: 12] وَلَكِنَّهَا صُرِفَتْ إِلَى فَعِيلٍ , كَمَا قِيلَ: كَفٌّ خَضِيبٌ وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ , بِمَعْنَى مَخْضُوبَةٌ وَمَدْهُونَةٌ , وَالسَّعِيرُ: الْوَقُودُ

الصفحة 161