كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 7)
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: رُفِعَ الْقَلِيلُ بِالْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: {مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} [النساء: 66] وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلَهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. فَقِيلَ: مَا فَعَلُوهُ عَلَى الْخَبَرِ عَنِ الَّذِينَ مَضَى ذِكْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء: 60] , ثُمَّ اسْتَثْنَى الْقَلِيلَ , فَرُفِعَ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا , إِذْ كَانَ الْفِعْلُ مَنْفِيًّا عَنْهُ. وَهِيَ فِي مَصَاحِفِ أَهْلِ الشَّامِ: «مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ» . وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ , فَلَا مَرَدَّ بِهِ عَلَى قَارِئِهِ فِي إِعْرَابِهِ , لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , إِذْ كَانَ الْفِعْلُ مَشْغُولًا بِمَا فِيهِ كِنَايَةَ مَنْ قَدْ جَرَى ذِكْرُهُ , ثُمَّ اسْتُثني مِنْهُمُ الْقَلِيلُ "
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: وَلَوْ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَهُمْ يَتَحَاكَمُونَ إِلَى الطَّاغُوتِ , وَيَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا , {فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ} [النساء: 66] يَعْنِي: " مَا يُذَكَّرُونَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ {لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 110] فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُمْ وَآجِلِ مَعَادِهِمْ , {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66] وَأَثْبَتَ لَهُمْ فِي أُمُورِهِمْ , وَأَقْوَمَ لَهُمْ عَلَيْهَا. وَذَلِكَ أَنَّ
الصفحة 208