كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 7)

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَ لَيْسَ بِالطَّاعَةِ وَصَلُوا إِلَى مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَمْ يُطِيعُوهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا بِفَضْلِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَهَدَاهُمْ بِهِ لِطَاعَتِهِ , فَكُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ. وَقَوْلُهُ: {وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 70] يَقُولُ: " وَحَسْبُ الْعِبَادِ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ عَلِيمًا بِطَاعَةِ الْمُطِيعِ مِنْهُمْ وَمَعْصِيَةِ الْعَاصِي , فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ وَيَحْفَظُهُ حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعَهُمْ , فَيَجْزِيَ الْمُحْسِنَ مِنْهُمْ بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيءَ مِنْهُمْ بِالْإِسَاءَةِ , وَيَعْفُو عَمَّنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 104] صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ {خُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء: 71] خُذُوا جُنَّتَكُمْ وَأَسْلِحَتَكُمُ الَّتِي تَتَّقُونَ بِهَا مِنْ عَدُوِّكُمْ لِغَزْوِهِمْ وَحَرْبِهِمْ {فَانْفِرُوا} [النساء: 71] إِلَيْهِمْ {ثُبَاتٍ} [النساء: 71] : وَهِيَ جَمْعُ ثُبَةٍ , وَالثُّبَةُ: الْعَصَبَةُ؛ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَانْفِرُوا إِلَى عَدُوِّكُمْ جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ مُتَسَلِّحِينَ , وَمِنَ الثُّبَةِ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
[البحر الوافر]
وَقَدْ أَغْدُو عَلَى ثُبَةٍ كِرَامٍ ... نَشَاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشَاءُ
-[218]- وَقَدْ تُجْمَعُ الثُّبَةُ عَلَى ثُبِينَ. {أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71] يَقُولُ: " أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا مَعَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقِتَالِهِمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

الصفحة 217