كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 7)
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ بْنَ مُزَاحِمٍ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {§وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83] قَالَ: «هُمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَانُوا حَدَّثُوا أَنْفُسَهُمْ بِأُمُورٍ مِنْ أُمُورِ الشَّيْطَانِ , إِلَّا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ جَمِيعًا. قَالُوا: وَقَوْلُهُ: {إِلَّا قَلِيلًا} [البقرة: 83] خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي اللَّفْظِ , وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الْجَمِيعِ وَالْإِحَاطَةِ , وَأَنَّهُ لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَتُهُ لَمْ يَنْجُ أَحَدٌ مِنَ الضَّلَالَةِ , فَجَعَلَ قَوْلَهُ: {إِلَّا قَلِيلًا} [البقرة: 83] دَلِيلًا عَلَى الْإِحَاطَةِ. وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ الطِّرِمَّاحِ بْنِ حَكِيمٍ فِي مَدْحِ يَزِيدَ بْنِ الْمُهَلَّبِ:
[البحر الطويل]
-[265]- أَشُمَّ كَثِيرُ يَدِيِّ النَّوَالِ ... قَلِيلُ الْمَثَالِبِ وَالْقَادِحَةِ
قَالُوا: فَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ وَصْفُ الْمَمْدُوحِ بِأَنَّ فِيهِ الْمَثَالِبَ وَالْمَعَايِبَ , وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَا مَثَالِبَ فِيهِ وَلَا مَعَايِبَ؛ لِأَنَّ مَنْ وَصَفَ رَجُلًا بِأَنَّ فِيهِ مَعَايِبَ وَإِنْ وَصَفَ الَّذِي فِيهِ الْمَعَايِبَ بِالْقِلَّةِ , فَإِنَّمَا ذَمَّهُ وَلَمْ يَمْدَحْهُ , وَلَكِنَّ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ نَفْيِ جَمِيعِ الْمَعَايِبِ عَنْهُ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83] إِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَاتَّبَعْتُمْ جَمِيعَكُمُ الشَّيْطَانَ. وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِاسْتِثْنَاءِ الْقَلِيلِ مِنَ الْإِذَاعَةِ؛ وَقَالَ: مَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ إِلَّا قَلِيلًا , وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ. وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا , وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ: {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} [النساء: 83] لِأَنَّ مَنْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنْ تُبَّاعِ الشَّيْطَانِ , وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ نَحْمِلَ مَعَانِي كِتَابِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ الْأَغْلَبِ الْمَفْهُومِ بِالظَّاهِرِ مِنَ الْخَطَّابِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , وَلَنَا إِلَى حَمْلِ ذَلِكَ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ سَبِيلٌ فَنُوَجِّهُهُ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَجَّهَهُ إِلَيْهِ الْقَائِلُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ جَمِيعًا , ثُمَّ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: {إِلَّا قَلِيلًا} [البقرة: 83] دَلِيلٌ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِالْجَمِيعِ. هَذَا مَعَ -[266]- خُرُوجِهِ مِنْ تَأْوِيلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ لَا وَجْهُ لَهُ , وَكَذَلِكَ لَا وَجْهَ لِتَوْجِيهِ ذَلِكَ إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] لِأَنَّ عِلْمَ ذَلِكَ إِذَا رُدَّ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ , فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُولُو الْأَمْرِ مِنْهُمْ بَعْدَ وُضُوحِهِ لَهُمْ , اسْتَوَى فِي عِلْمِ ذَلِكَ كُلُّ مُسْتَنْبِطٍ حَقِيقَةً , فَلَا وَجْهَ لِاسْتِثْنَاءِ بَعْضِ الْمُسْتَنْبِطِينَ مِنْهُمْ وَخُصُوصِ بَعْضِهِمْ بِعِلْمِهِ مَعَ اسْتِوَاءِ جَمِيعِهِمْ فِي عِلْمِهِ. وَإِذْ كَانَ لَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا قُلْنَا , وَدَخَلَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ مَا بَيَّنَّا مِنَ الْخَلَلِ , فَبَيِّنٌ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ هُوَ الرَّابِعُ , وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي قَضَيْنَا لَهُ بِالصَّوَابِ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْإِذَاعَةِ.
الصفحة 264