كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 7)

صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ وَقِتَالِ قَوْمِهِمْ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَقَاتَلُوكُمْ مَعَ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ كَفَّهُمْ عَنْكُمْ. يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَأَطِيعُوا الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِكَفِّهِمْ عَنْكُمْ مَعَ سَائِرِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنَ الْكَفِّ عَنْهُمْ إِذَا وَصَلُوا إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ , أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ وَقِتَالِ قَوْمِهِمْ. ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ} [النساء: 90] يَقُولُ: " فَإِنِ اعْتَزَلَكُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِدُخُولِهِمْ فِي أَهْلِ عَهْدِكُمْ أَوْ مَصِيرِهِمْ إِلَيْكُمْ. حصِرَتْ صُدُورُهُمْ عَنْ قِتَالِكُمْ وَقِتَالِ قَوْمِهِمْ , فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 90] يَقُولُ: " وَصَالَحُوكُمْ. وَالسَّلَمُ: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ , وَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: أَعْطَيْتُكَ قِيَادِي وَأَلْقَيْتُ إِلَيْكَ خِطَامِي , إِذَا اسْتَسْلَمَ لَهُ وَانْقَادَ لِأَمْرِهِ , فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 90] إِنَّمَا هُوَ: أَلْقَوْا إِلَيْكُمْ قِيَادَهُمْ وَاسْتَسْلَمُوا لَكُمْ صُلْحًا مِنْهُمْ لَكُمْ وَسَلَمًا. ومِنَ السَّلَمِ قَوْلُ الطِّرِمَّاحِ:
[البحر البسيط]
وَذَاكَ أَنَّ تَمِيمًا غَادَرَتْ سَلَمًا ... لِلْأُسْدِ كُلَّ حَصَانٍ وَعْثَةِ اللِّبَدِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ سَلَمًا: اسْتِسْلَامًا. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ: {§فَإِنِ -[298]- اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ} [النساء: 90] قَالَ: «الصُّلْحَ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: 90] فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِذَا اسْتَسْلَمَ لَكُمْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ صُلْحًا مِنْهُمْ لَكُمْ , فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا: أَيْ فَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَكُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَنِسَائِهِمْ طَرِيقًا إِلَى قَتْلٍ أَوْ سِبَاءٍ أَوْ غَنِيمَةٍ , بِإِبَاحَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ لَكُمْ وَلَا إِذْنٍ , فَلَا تَعَرَّضُوا لَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا سَبِيلَ خَيْرٍ. ثُمَّ نَسْخَ اللَّهُ جَمِيعَ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ وَالَّتِي بَعْدَهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] إِلَى قَوْلِهِ: {فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 5]

الصفحة 297