كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 7)
وَصَفَهَا أَبَدًا دَائِمًا. وَقَوْلُهُ {وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا} [النساء: 122] يَعْنِي: عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا حَقًّا , يَقِينًا صَادِقًا , لَا كَعِدَةِ الشَّيْطَانِ الْكَاذِبَةِ الَّتِي هِيَ غُرُورٌ مَنْ وَعَدَهَا مِنْ أَوْلِيَائِهِ , وَلَكِنْ عِدَةٌ مِمَّنْ لَا يَكْذِبُ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ الْكَذِبُ وَلَا يُخْلِفُ وَعْدَهُ. وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَعْدَهُ بِالصِّدْقِ وَالْحَقِّ فِي هَذِهِ لِمَا سَبَقَ مِنْ خَبَرِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , عَنْ قَوْلِ الشَّيْطَانِ الَّذِي قَصَّهُ فِي قَوْلِهِ , وَقَالَ: {لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلَأُضِلَنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ} [النساء: 119] ثُمَّ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 120] وَلَكِنَّ اللَّهَ يَعِدُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّهُ سَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا , وَعْدًا مِنْهُ حَقًّا , لَا كَوَعْدِ الشَّيْطَانِ الَّذِي وَصَفَ صِفَتَهُ. فوَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْوَعْدَيْنِ وَالْوَاعِدِينَ وَأَخْبَرَ بِحُكْمِ أَهْلِ كُلِّ وَعْدٍ مِنْهُمَا تَنْبِيهًا مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقَهُ عَلَى مَا فِيهِ مَصْلَحُتُهُمْ وَخَلَاصُهُمْ مِنَ الْهَلَكَةِ وَالْعَطَبِ , لِيَنْزَجِرُوا عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَيَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ , فَيَفُوزُوا بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ فِي جِنَانِهِ مِنْ ثَوَابِهِ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] يَقُولُ: " وَمَنْ أَصْدَقُ أَيُّهَا النَّاسُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا: أَيْ لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ قِيلًا , فَكَيْفَ تَتْرُكُونَ الْعَمَلَ بِمَا وَعَدَكُمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ رَبُّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا , وَتَكْفُرُونَ بِهِ , وَتُخَالِفُونَ أَمْرَهُ , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنْ لَا أَحَدَ أَصْدَقُ مِنْهُ قِيلًا , وَتَعْمَلُونَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ
الصفحة 506