كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)
عِلْمِهِمْ بِخَطَإِ مَا هُمْ عَلَيْهِمْ مُقِيمُونَ. يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا تَسْتَعْظِمُوا أَمْرَ الَّذِينَ هَمُّوا بِبَسْطِ أَيْدِيهِمْ إِلَيْكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ بِمَا هَمُّوا بِهِ لَكُمْ , وَلَا أَمْرَ الْغَدْرِ الَّذِي حَاوَلُوهُ وَأَرَادُوهُ بِكُمْ , فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَخْلَاقِ أَوَائِلِهِمْ وَأَسْلَافِهِمْ , لَا يَعْدُونَ أَنْ يَكُونُوا عَلَى مِنْهَاجِ أَوَّلِهِمْ وَطَرِيقِ سَلَفِهِمْ. ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَزَّ ذِكْرُهُ عَنْ بَعْضِ غَدَرَاتِهِمْ وَخِيَانَاتِهِمْ وَجَرَاءَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَنَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمُ الَّذِي وَاثَقَهُمْ عَلَيْهِ بَارِئُهُمْ , مَعَ نِعَمِهِ الَّتِي خَصَّهُمْ بِهَا , وَكَرَامَاتِهِ الَّتِي طَوَّقَهُمْ شُكْرَهَا , فَقَالَ: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ مَنْ سَلَفَ مِمَّنْ هَمَّ بِبَسْطِ يَدِهِ إِلَيْكُمْ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ لَهُ بِعُهُودِهِ وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ كَمَا:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ , عَنِ الرَّبِيعِ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ , فِي قَوْلِهِ: {§وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 12] قَالَ: " أَخَذَ اللَّهُ مَوَاثِيقَهُمْ أَنْ يُخْلِصُوا لَهُ وَلَا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ {وَبَعَثَنَا مِنْهُمُ} [المائدة: 12] يَعْنِي بِذَلِكَ: وَبَعَثَنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ كَفِيلًا , كَفَلُوا عَلَيْهِمْ بِالْوَفَاءِ لِلَّهِ بِمَا وَاثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الْعُهُودِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ , وَفِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ. وَالنَّقِيبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , كَالْعَرِيفِ عَلَى الْقَوْمِ , غَيْرَ أَنَّهُ فَوْقَ الْعَرِيفِ , يُقَالَ مِنْهُ: نَقَبَ فُلَانٌ عَلَى بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ يَنْقُبُ نَقَبًا , فَإِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَقِيبًا فَصَارَ نَقِيبًا , قِيلَ: قَدْ نَقَبَ فَهُوَ يَنْقَبُ نَقَابَةً , وَمِنَ الْعَرِيفِ: عَرَفَ عَلَيْهِمْ يَعْرِفُ عِرَافَةً. -[236]- فَأَمَّا الْمَنَاكِبُ فَإِنَّهُمْ كَالْأَعْوَانِ يَكُونُونَ مَعَ الْعُرَفَاءِ , وَاحِدُهُمْ مَنْكِبٌ. وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ يَقُولُ: هُوَ الْأَمِينُ الضَّامِنُ عَلَى الْقَوْمِ. فَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمْ قَدِ اخْتَلَفُوا بَيْنَهُمْ فِي تَأْوِيلِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الشَّاهِدُ عَلَى قَوْمِهِ "
الصفحة 235