كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ {وَقَالَ اللَّهُ} [المائدة: 12] لِبَنِي إِسْرَائِيلَ {إِنِّي مَعَكُمْ} [المائدة: 12] يَقُولُ: " إِنِّي نَاصِرُكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ وَعَدُوِّي الَّذِينَ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِمْ إِنْ قَاتَلْتُمُوهُمْ وَوَفَيْتُمْ بِعَهْدِي وَمِيثَاقِي الَّذِي أَخَذْتُهُ عَلَيْكُمْ. وَفِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ اسْتَغْنَى , بِمَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَمَّا حُذِفَ مِنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: إِنِّي مَعَكُمْ , فَتَرَكَ ذِكْرَ لَهُمْ , اسْتِغْنَاءً بِقَوْلِهِ: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [المائدة: 12] إِذْ كَانَ مُتَقَدِّمُ الْخَبَرِ عَنْ قَوْمٍ مُسَمَّيْنَ بِأَعْيَانِهِمْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ سِيَاقَ مَا فِي الْكَلَامِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ , إِذْ لَمْ يَكُنِ الْكَلَامُ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ. ثُمَّ ابْتَدَأَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْقَسَمَ , فَقَالَ: قَسَمٌ {لَئِنْ أَقَمْتُمْ} [المائدة: 12] مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ {الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ} [المائدة: 12] أَيْ " أَعْطَيْتُمُوهَا مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِإِعْطَائِهَا {وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي} [المائدة: 12] يَقُولُ: «وَصَدَّقْتُمْ بِمَا آتَاكُمْ بِهِ رُسُلِي مِنْ شَرَائِعِ دِينِي» وَكَانَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ يَقُولُ: هَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ مُوسَى , صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ سِيرُوا إِلَيْهِمْ يَعْنِي إِلَى الْجَبَّارِينَ فَحَدِّثُونِي حَدِيثَهُمْ , وَمَا أَمْرُهُمْ , وَلَا تَخَافُوا §إِنَّ اللَّهَ مَعَكُمْ مَا أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا " -[243]- وَلَيْسَ الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيعُ فِي ذَلِكَ بِبَعِيدٍ مِنَ الصَّوَابِ , غَيْرَ أَنَّ مِنَ قَضَاءِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ أَنَّهُ نَاصِرٌ مَنْ أَطَاعَهُ , وَوَلِيُّ مَنِ اتَّبَعَ أَمْرَهُ وَتَجَنَّبَ مَعْصِيَتَهُ وَجَافَى ذُنُوبَهُ. فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مِنْ طَاعَتِهِ: إِقَامُ الصَّلَاةِ , وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ , وَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ , وَسَائِرِ مَا نَدَبَ الْقَوْمَ إِلَيْهِ؛ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ تَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ بِذَلِكَ وَإِدْخَالَ الْجَنَّاتِ بِهِ لَمْ يُخَصَّصُ بِهِ النُّقَبَاءُ دُونَ سَائِرِ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَيْرِهِمْ , فَكَانَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِلْقَوْمِ جَمِيعًا وَحَضًّا لَهُمْ عَلَى مَا حَضَّهُمْ عَلَيْهِ , أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا لِبَعْضٍ وَحَضًّا لِخَاصٍّ دُونَ عَامٍّ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} [المائدة: 12] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: وَنَصَرْتُمُوهُمْ
الصفحة 242