كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)
شَيْئًا , فَيَرُدُّهُ إِذَا قَضَاهُ؛ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَلَكْتُ عَلَى فُلَانٍ أَمْرَهُ: إِذَا صَارَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُنْفِذَ أَمْرًا إِلَّا بِهِ وَقَوْلُهُ: {إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [المائدة: 17] يَقُولُ: " مَنْ ذَا الَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يَرُدَّ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ شَاءَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ بِإِعْدَامِهِ مِنَ الْأَرْضِ وَإِعْدَامِ أُمِّهِ مَرْيَمَ , وَإِعْدَامِ جَمِيعِ مَنْ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْخَلْقِ جَمِيعًا. يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ مِنَ النَّصَارَى لَوْ كَانَ الْمَسِيحُ كَمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ هُوَ اللَّهُ , وَلَيْسَ كَذَلِكَ , لَقَدَرَ أَنْ يَرُدَّ أَمْرَ اللَّهِ إِذَا جَاءَهُ بِإِهْلَاكِهِ وَإِهْلَاكِ أُمِّهِ , وَقَدْ أَهْلَكَ أُمَّهُ فَلَمْ يَقْدِرِ عَلَى دَفْعِ أَمْرِهِ فِيهَا إِذْ نَزَلَ ذَلِكَ , فَفِي ذَلِكَ لَكُمْ مُعْتَبَرٌ إِنِ اعْتَبَرْتُمْ , وَحُجَّةٌ عَلَيْكُمْ إِنْ عَقِلْتُمْ فِي أَنَّ الْمَسِيحَ بَشَرٌ كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ , وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الَّذِي لَا يُغْلَبُ وَلَا يُقْهَرُ وَلَا يُرَدُّ لَهُ أَمْرٌ , بَلْ هُوَ الْحَيُّ الدَّائِمُ الْقَيُّومُ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ , وَيُنْشِئُ وَيُفْنِي , وَهُوَ حَيُّ لَا يَمُوتُ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} يَعْنِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِذَلِكَ: وَاللَّهُ لَهُ تَصْرِيفُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا , يَعْنِي: وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ , يُهْلِكُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ ذَلِكَ , وَيُبْقِي مَا يَشَاءُ مِنْهُ , وَيُوجِدُ مَا أَرَادَ , وَيُعْدِمُ مَا أَحَبَّ , لَا يَمْنَعُهُ مِنْ شَيْءٍ أَرَادَ مِنْ ذَلِكَ مَانِعٌ , وَلَا يَدْفَعُهُ عَنْهُ دَافِعٌ؛ يُنْفِذُ فِيهِمْ حُكْمَهُ , وَيُمْضِي فِيهِمْ قَضَاءَهُ , لَا الْمَسِيحُ الَّذِي إِنْ أَرَادَ إِهْلَاكَهُ رَبُّهُ وَإِهْلَاكَ أُمِّهِ , لَمْ يَمْلِكْ دَفْعَ مَا أَرَادَ بِهِ رَبُّهُ مِنْ ذَلِكَ
الصفحة 267