كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)
وَأَبْلَغَ إِلَيْهِمْ فِي الْحُجَّةِ. وَيَعْنِي بِالْبَشِيرِ: الْمُبَشِّرَ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَآمَنَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَعَمِلَ بِمَا آتَاهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِعَظِيمِ ثَوَابِهِ فِي آخِرَتِهِ , وَبِالنَّذِيرِ الْمُنْذِرَ مَنْ عَصَاهُ وَكَذَّبَ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَمِلَ بِغَيْرِ مَا أَتَاهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ بِمَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ فِي مَعَادِهِ وَشَدِيدِ عَذَابِهِ فِي قِيَامَتِهِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ: قَدْ أَعْذَرْنَا إِلَيْكُمْ , وَاحْتَجَجْنَا عَلَيْكُمْ برَسُولِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْكُمْ , وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَيْكُمْ , لِيُبَيِّنَ لَكُمْ مَا أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ , كَيْلَا تَقُولُوا لَمْ يَأْتِنَا مِنْ عِنْدِكَ رَسُولٌ يُبَيِّنُ لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ , فَقَدْ جَاءَكُمْ مِنْ عِنْدِي رَسُولٌ , يُبَشِّرُ مَنْ آمَنَ بِي وَعَمِلَ بِمَا أَمَرْتُهُ , وَانْتَهَى عَمَّا نَهَيْتُهُ عَنْهُ , وَيُنْذِرُ مَنْ عَصَانِي وَخَالَفَ أَمْرِي , وَأَنَا الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ , أَقْدِرُ عَلَى عِقَابِ مَنْ عَصَانِي وَثَوَابِ مَنْ أَطَاعَنِي , فَاتَّقُوا عِقَابِي عَلَى مَعْصِيَتِكُمْ إِيَّايَ وَتَكْذِيبِكُمْ رَسُولِي , وَاطْلُبُوا ثَوَابِي عَلَى طَاعَتِكُمْ إِيَّايَ , وَتَصْدِيقِكُمْ بَشِيرِي وَنَذِيرِي , فَإِنِّي أَنَا الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أَرَادَهُ وَلَا يَفُوتُهُ شَيْءٌ طَلَبَهُ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] وَهَذَا أَيْضًا مِنَ اللَّهِ تَعْرِيفٌ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيمٌ بِتَمَادِي هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ فِي الْغَيِّ وَبُعْدِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ وَشِدَّةِ خِلَافِهِمْ لِأَنْبِيَائِهِمْ وَبُطْءِ إِنَابَتِهِمْ إِلَى الرَّشَادِ , مَعَ كَثْرَةِ نِعِمِ اللَّهِ عِنْدَهُمْ وَتَتَابُعِ أَيَادِيهِ وَآلَائِهِ عَلَيْهِ , مُسَلِّيًا بِذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَحِلُّ بِهِ مِنْ عِلَاجِهِمْ وَيُنْزِلُ بِهِ مِنْ
الصفحة 276