كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)

فَأَمَّا الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانَ مُوسَى بَعَثَهُمْ يَتَجَسَّسُونَ الْأَرْضَ , ثُمَّ حَرَّشُوا الْجَمَاعَةَ , فَأَفْشَوْا فِيهِمْ خَبَرَ الشَّرِّ , فَمَاتُوا كُلُّهُمْ بَغْتَةً , وَعَاشَ يُوشَعُ وَكَالِبُ بْنُ يوفنا مِنَ الرَّهْطِ الَّذِينَ انْطَلَقُوا يَتَحَسَّسُونَ الْأَرْضَ. فَلَمَّا قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا الْكَلَامَ كُلَّهُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ , حَزِنَ الشَّعْبُ حُزْنًا شَدِيدًا , وَغَدَوْا فَارْتَفَعُوا عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ , وَقَالُوا: نَرْتَقِي الْأَرْضَ الَّتِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّا قَدْ أَخْطَأْنَا. فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: لِمَ تَعْتَدُونَ فِي كَلَامِ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ , لَا يَصْلُحُ لَكُمْ عَمَلٌ , وَلَا تَصْعَدُوا مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ مَعَكُمْ , فَالْآنَ تَنْكَسِرُونَ مِنْ قُدَّامِ أَعْدَائِكُمْ مِنْ أَجْلِ الْعَمَالِقَةِ وَالْكَنْعَانِيِّينَ أَمَامَكُمْ , فَلَا تَقَعُوا فِي الْحَرْبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّكُمُ انْقَلَبْتُمْ عَلَى اللَّهِ فَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ مَعَكُمْ فَأَخَذُوا يَرْقُونَ فِي الْجَبَلِ , وَلَمْ يَبْرَحِ التَّابُوتُ الَّذِي فِيهِ مَوَاثِيقُ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَمُوسَى مِنَ الْمَحِلَّةِ؛ يَعْنِي مِنَ الْحِكْمَةِ , حَتَّى هَبَطَ الْعَمَالِيقُ وَالْكَنْعَانِيُّونَ فِي ذَلِكَ الْحَائِطِ , فَحَرَّقُوهُمْ وَطَرَدُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ. فتَيَّهُّمُ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ فِي التِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً بِالْمَعْصِيَةِ , حَتَّى هَلَكَ مَنْ كَانَ اسْتَوْجَبَ الْمَعْصِيَةَ مِنَ اللَّهِ فِي ذَلِكَ. قَالَ: فَلَمَّا شَبَّ النَّوَاشِئُ مِنْ ذَرَارِيِّهِمْ , وَهَلَكَ آبَاؤُهُمْ , وَانْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ سَنَةً الَّتِي تَتَيَّهُوا فِيهَا وَسَارَ بِهِمْ مُوسَى وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وَكَالِبُ بْنُ يوفنا , وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَلَى مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرَانَ أُخْتِ مُوسَى وَهَارُونَ , وَكَانَ لَهُمَا صِهْرًا؛ قَدِمَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ إِلَى أَرِيحَاءَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ , فَدَخَلَهَا بِهِمْ , وَقَتَلَ الْجَبَابِرَةَ الَّذِينَ كَانُوا فِيهَا , ثُمَّ دَخَلَهَا مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ , فَأَقَامَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَ , ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ لَا يَعْلَمُ قَبْرَهُ أَحَدٌ مِنَ

الصفحة 313