كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)

عِنْدَهُمْ. وَإِذَا كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يُخَاطِبَهُمْ خِطَابًا لَا يُفِيدُهُمْ بِهِ مَعْنًى , فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عَنَى ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ , لَا ابْنَيْ بَنِيهِ الَّذِينَ بَعُدَ مِنْهُ نَسَبُهُمْ مَعَ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْأَخْبَارِ وَالسِّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ وَفِي عَهْدِ آدَمَ وَزَمَانِهِ , وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِمَّنْ نُصَّ عَنْهُ الْقَوْلُ بِذَلِكَ , وَسَنَذْكُرُ كَثِيرًا مِمَّنْ لَمْ يُذْكَرْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , قَالَ: ثنا حُسَامُ بْنُ مِصَكٍّ , عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ , عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , قَالَ: " §لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ , مَكَثَ آدَمُ مِائَةَ سَنَةٍ حَزِينًا لَا يَضْحَكُ , ثُمَّ أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: حَيَّاكَ اللَّهُ وَبَيَّاكَ. فَقَالَ: بَيَّاكَ: أَضْحَكَكَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ , عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ , قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِ: §لَمَّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ , بَكَى آدَمُ فَقَالَ:
[البحر الوافر]
تَغَيَّرَتِ الْبِلَادُ وَمَنْ عَلَيْهَا ... فَلَوْنُ الْأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ
تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وَطَعْمٍ ... وَقَلَّ بَشَاشَةُ الْوَجْهِ الْمَلِيحِ
فَأُجِيبَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ -[326]-:
[البحر الوافر]
أَبَا هَابِيلَ قَدْ قُتِلَا جَمِيعًا ... وَصَارَ الْحَيُّ كَالْمَيْتِ الذَّبِيحِ
وَجَاءَ بِشَرَّةٍ قَدْ كَانَ مِنْهَا ... عَلَى خَوْفٍ فَجَاءَ بِهَا يَصِيحُ
وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي تَقْرِيبِهِمَا مَا قَرَّبَا , فَإِنَّ الصَّوَابَ فِيهِ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عِبَادَهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَدْ قَرَّبَا , وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّ تَقْرِيبَهُمَا مَا قَرَّبَا كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا بِهِ وَلَا عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمَا بِذَلِكَ , وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ فَلَمْ يُقَرِّبَا ذَلِكَ إِلَّا طَلَبَ قُرْبَةٍ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} [المائدة: 27] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: قَالَ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ قُرْبَانُهُ لِلَّذِي تُقُبِّلَ مِنْهُ قُرْبَانُهُ: لَأَقْتُلَنَّكَ. فَتَرَكَ ذِكْرَ الْمُتَقَبَّلِ قُرْبَانُهُ وَالْمَرْدُودِ عَلَيْهِ قُرْبَانُهُ , اسْتِغْنَاءً بِمَا قَدْ جَرَى مِنْ ذِكْرِهِمَا عَنْ إِعَادَتِهِ , وَكَذَلِكَ تَرَكَ ذِكْرَ الْمُتَقَبَّلِ قُرْبَانُهُ مَعَ قَوْلِهِ: {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:

الصفحة 325