كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْكُمْ جَعَلْنَا شِرْعَةً. وَالشِّرْعَةُ: هِيَ الشَّرِيعَةُ بِعَيْنِهَا , تُجْمَعُ الشِّرْعَةُ شِرَاعًا , وَالشَّرِيعَةُ شَرَائِعَ , وَلَوْ جُمِعَتِ الشِّرْعَةُ شَرَائِعَ كَانَ صَوَابًا , لِأَنَّ مَعْنَاهَا وَمَعْنَى الشَّرِيعَةِ وَاحِدٌ , فَيَرُدُّهَا عِنْدَ الْجَمْعِ إِلَى لَفْظِ نَظِيرِهَا. وَكُلُّ مَا شَرَعْتَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ شَرِيعَةٌ , وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِشَرِيعَةِ الْمَاءِ: شَرِيعَةٌ , لِأَنَّهُ يُشْرَعُ مِنْهَا إِلَى الْمَاءِ , وَمِنْهُ سُمِّيَتْ شَرَائِعُ الْإِسْلَامِ شَرَائِعَ , لِشُرُوعِ أَهْلِهِ فِيهِ , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْقَوْمِ إِذَا تَسَاوَوْا فِي الشَّيْءِ: هُمْ شُرُعٌ سَوَاءٌ. وَأَمَّا الْمِنْهَاجُ , فَإِنَّ أَصْلَهُ: الطَّرِيقُ الْبَيِّنُ الْوَاضِحُ , يُقَالَ مِنْهُ: هُوَ طَرِيقٌ نَهْجٌ وَمَنْهَجٌ بَيِّنٌ , كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
مَنْ يَكُ فِي شَكٍّ فَهَذَا فَلْجُ ... مَاءٌ رُوَاءٌ وَطَرِيقٌ نَهْجُ
ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ كَانَ بَيِّنًا وَاضِحًا يُعْمَلُ بِهِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ} [المائدة: 48] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ أَهْلَ الْمِلَلِ الْمُخْتَلِفَةِ , أَيْ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلِّ مِلَّةٍ شَرِيعَةً وَمِنْهَاجًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: {§لِكُلٍّ -[494]- جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] يَقُولُ سَبِيلًا وَسُنَّةً. وَالسُّنَنُ مُخْتَلِفَةٌ: لِلتَّوْرَاةِ شَرِيعَةٌ , وِلِلْإِنْجِيلِ شَرِيعَةٌ , وَلِلْقُرْآنِ شَرِيعَةٌ , يُحِلُّ اللَّهُ فِيهَا مَا يَشَاءُ وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ بَلَاءً , لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ , وَلَكِنَّ الدِّينَ الْوَاحِدَ الَّذِي لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ التَّوْحِيدُ وَالْإِخْلَاصُ لِلَّهِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ "
الصفحة 493