كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: {§لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ: «الدِّينُ وَاحِدٌ , وَالشَّرِيعَةُ مُخْتَلِفَةٌ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ , عَنْ أَبِي رَوْقٍ , عَنْ أَبِي أَيُّوبَ , عَنْ عَلِيٍّ , قَالَ: الْإِيمَانُ مُنْذُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ آدَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ , وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , §لِكُلِّ قَوْمٍ مَا جَاءَهُمْ مِنْ شِرْعَةٍ أَوْ مِنْهَاجٍ , فَلَا يَكُونُ الْمُقِرُّ تَارِكًا وَلَكِنَّهُ مُطِيعٌ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقَالُوا: إِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: قَدْ جَعَلْنَا الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّهَا النَّاسُ لِكُلِّكُمْ: أَيْ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَقَرَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لِي نَبِيُّ , شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ: {§لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] قَالَ: " سُنَّةً {وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] السَّبِيلُ -[495]- لِكُلِّكُمْ , مَنْ دَخَلَ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا , يَقُولُ: الْقُرْآنُ هُوَ لَهُ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجٌ وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: لِكُلِّ أَهْلِ مِلَّةٍ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْأُمَمُ جَعَلْنَا شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا , وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِقَوْلِهِ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] وَلَوْ كَانَ عَنَى بِقَوْلِهِ: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ} [المائدة: 48] أُمَّةَ مُحَمَّدٍ وَهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ , لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المائدة: 48] وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً مَعْنًى مَفْهُومٌ , وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى مَا جَرَى بِهِ الْخِطَابُ مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ مَا كَتَبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي التَّوْرَاةِ , وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهَا. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَفَّى بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَى آثَارِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْإِنْجِيلَ , وَأَمَرَ مَنْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ. ثُمَّ ذَكَرَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أَنْزَلَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ , وَأَمَرَهُ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ وَالْحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ فِيهِ دُونَ مَا فِي سَائِرِ الْكُتُبِ غَيْرِهِ وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهُ وَلِأُمَّتِهِ شَرِيعَةً غَيْرَ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَمَمِ قَبْلَهُ الَّذِينَ قَصَّ عَلَيْهِمْ قَصَصَهُمْ , وَإِنْ كَانَ دِينُهُ وَدِينُهُمْ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَاحِدًا , فَهُمْ مُخْتَلِفُو الْأَحْوَالِ فِيمَا شَرَعَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ , وَلِأُمَّتِهِ فِيمَا أَحَلَّ لَهُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي الشِّرْعَةِ وَالْمِنْهَاجِ مِنَ التَّأْوِيلَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
الصفحة 494