كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)

بِأَنْ يَنْسُبُوهُ إِلَى الْبُخْلِ , وَيَقُولُوا: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] وَإِنَّمَا أَعْلَمَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ عُتُوٍّ وَتَمَرُّدٍ عَلَى رَبِّهِمْ , وَأَنَّهُمْ لَا يُذْعِنُونَ لَحَقٍّ وَإِنْ عَلِمُوا صِحَّتَهُ , وَلَكِنَّهُمْ يُعَانِدُونَهُ؛ يُسَلِّي بِذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَوْجِدَةِ بِهِمْ فِي ذَهَابِهِمْ عَنِ اللَّهِ وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ. وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الطُّغْيَانِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: {§وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: 64] حَمَلَهُمْ حَسَدُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَرَبَ عَلَى أَنْ كَفَرُوا بِهِ , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ "
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 64] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 64] بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. كَمَا:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: {§وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 64] الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى " -[559]- فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة: 64] جُعِلَتِ الْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ {بَيْنَهُمْ} [المائدة: 64] كِنَايَةً عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَلَمْ يَجْرِ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ذِكْرٌ؟ قِيلَ: قَدْ جَرَى لَهُمْ ذِكْرٌ , وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة: 51] جَرَى الْخَبَرُ فِي بَعْضِ الْآيِ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ وَفِي بَعْضٍ عَنْ أَحَدِهِمَا , إِلَى أَنِ انْتَهَىَ إِلَى قَوْلِهِ: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [المائدة: 64] ثُمَّ قَصَدَ بِقَوْلِهِ: {أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ} [المائدة: 64] الْخَبَرَ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ

الصفحة 558