كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)

وَالْمَشَارِبِ كَسَائِرِ الْبَشَرِ مِنْ بَنِي آدَمَ. فإِنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَغَيْرُ كَائِنٍ إِلَهًا؛ لِأَنَّ الْمُحْتَاجَ إِلَى الْغِذَاءِ قَوَامُهُ بِغَيْرِهِ , وَفِي قَوَامِهِ بِغَيْرِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَى مَا يُقِيمُهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى عَجْزِهِ , وَالْعَاجِزُ لَا يَكُونُ إِلَّا مَرْبُوبًا لَا رَبًّا
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المائدة: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ: صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ نُبَيِّنُ لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الْآيَاتِ , وَهِيَ الْأَدِلَّةُ وَالْإِعْلَامُ وَالْحُجَجُ عَلَى بُطُولِ مَا يَقُولُونَ فِي أَنْبِيَاءِ اللَّهِ , وَفِي فِرْيَتِهِمْ عَلَى اللَّهِ , وَادِّعَائِهِمْ لَهُ وَلَدًا , وَشَهَادَتِهِمْ لِبَعْضِ خَلْقِهِ بِأَنَّهُ لَهُمْ رَبٌّ وَإِلَهٌ , ثُمَّ لَا يَرْتَدِعُونَ عَنْ كَذِبِهِمْ وَبَاطِلِ قِيلِهِمْ , وَلَا يَنْزَجِرُونَ عَنْ فِرْيَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَعَظِيمِ جَهْلِهِمْ , مَعَ وُرُودِ الْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ عُذْرَهُمْ عَلَيْهِمْ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثُمَّ انْظُرْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ؟ يَقُولُ: ثُمَّ انْظُرْ مَعَ تَبْيِينِنَا لَهُمْ آيَاتِنَا عَلَى بُطُولِ قَوْلِهِمْ: أَيَّ وَجْهٍ يُصْرَفُونَ عَنْ بَيَانِنَا الَّذِي بَيَّنْتُهُ لَهُمْ , وَكَيْفَ عَنِ الْهُدَى الَّذِي نَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ يَضِلُّونَ؟ وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَصْرُوفٍ عَنْ شَيْءٍ: هُوَ مَأْفُوكٌ عَنْهُ , يُقَالَ: قَدْ أَفَكْتُ فُلَانًا عَنْ كَذَا: أَيْ صَرَفْتُهُ عَنْهُ , فَأَنَا آفِكُهُ إِفْكًا , وَهُوَ مَأْفُوكٌ , وَقَدْ أَفِكَتِ الْأَرْضُ: إِذَا صُرِفَ عَنْهَا الْمَطَرُ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 76]

الصفحة 583