كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 8)

هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، جَزَاءُ كُلِّ مُحْسِنٍ فِي قِيلِهِ وَفِعْلِهِ. وَإِحْسَانُ الْمُحْسِنِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُوَحِّدَ اللَّهَ تَوْحِيدًا خَالِصًا مَحْضًا لَا شِرْكَ فِيهِ، وَيُقِرُّ بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْكُتُبِ، وَيُؤَدِّي فَرَائِضَهُ، وَيَجْتَنِبُ مَعَاصِيهِ، فَذَلِكَ كَمَالُ إِحْسَانِ الْمُحْسِنِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} [آل عمران: 15] .
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَمَّا الَّذِينَ جَحَدُوا تَوْحِيدَ اللَّهِ، وَأَنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، يَقُولُ: هُمْ سُكَّانُهَا وَاللَّابِثُونَ فِيهَا. وَالْجَحِيمُ: مَا اشْتَدَّ مِنَ النَّارِ، وَهُوَ الْجَاحِمُ وَالْجَحِيمُ.
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [المائدة: 87] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ {، لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [المائدة: 87] ، يَعْنِي بِالطَّيِّبَاتِ: اللَّذِيذَاتِ الَّتِي تَشْتَهِيهَا النُّفُوسُ وَتَمِيلُ إِلَيْهَا الْقُلُوبُ، فَتَمْنَعُوهَا إِيَّاهَا، كَالَّذِي فَعَلَهُ الْقِسِّيسُونَ وَالرُّهْبَانُ، فَحَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ النِّسَاءَ وَالْمَطَاعِمَ الطَّيِّبَةَ وَالْمَشَارِبَ اللَّذِيذَةَ، وَحَبَسَ فِي الصَّوَامِعِ بَعْضُهُمْ أَنْفُسَهُمْ، وَسَاحَ فِي الْأَرْضِ بَعْضُهُمْ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَا تَفْعَلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَمَا فَعَلَ أُولَئِكَ، وَلَا تَعْتَدُوا حَدَّ اللَّهِ الَّذِي حَدَّ لَكُمْ فِيمَا أَحَلَّ لَكُمْ وَفِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، فَتُجَاوِزُوا حَدَّهُ الَّذِي حَدَّهُ، فَتُخَالِفُوا بِذَلِكَ طَاعَتَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنِ اعْتَدَى حَدَّهُ الَّذِي حَدَّهُ لِخَلْقِهِ

الصفحة 606