كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 9)

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ، يَقُولُ: " §إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ تُسْتَأْنَفُ فَيَقُولُ: {أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: {§إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ} [الأنعام: 109] : " وَمَا يُدْرِيكُمْ أَنَّكُمْ تُؤْمِنُونَ إِذَا جَاءَتْ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ يُخْبِرُ عَنْهُمْ فَقَالَ: {إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِكَسْرِ أَلِفِ: (إِنَّهَا) ، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: (إِنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُنْقَطِعٌ عَنِ الْأَوَّلِ، وَمِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَكِّيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ ذَلِكَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ، قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ، الْمُؤْمِنُونَ بِهِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا كَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ حَلَفُوا أَنَّ الْآيَةَ إِذَا جَاءَتْ آمَنُوا وَاتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَبَّكَ ذَلِكَ، فَسَأَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِي مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْآيَاتِ إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، فَفَتَحُوا الْأَلِفَ مِنْ (أَنَّ) وَمِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ، وَقَالُوا: أُدْخِلَتْ -[488]- (لَا) فِي قَوْلِهِ: {لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] صِلَةً، كَمَا أُدْخِلَتْ فِي قَوْلِهِ: {مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ} [الأعراف: 12] ، وَفِي قَوْلِهِ: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: وَحَرَامٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا، وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ. وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْمٌ قَرَءُوا ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ: {أَنَّهَا} [الأنعام: 109] بِمَعْنَى: لَعَلَّهَا، وَذَكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا مِنْهَا: اذْهَبْ إِلَى السُّوقِ أَنَّكَ تَشْتَرِي لِي شَيْئًا، بِمَعْنَى: لَعَلَّكَ تَشْتَرِي، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ الْعِبَادِيِّ:
[البحر الطويل]
أَعَاذِلَ مَا يُدْرِيكَ أَنَّ مَنِيَّتِي ... إِلَى سَاعَةٍ فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ
بِمَعْنَى: لَعَلَّ مَنِيَّتِي، وَقَدْ أَنْشَدُونِي بَيْتَ دُرَيْدِ بْنِ الصِّمَّةِ:
[البحر الطويل]
ذَرِينِي أُطَوِّفْ فِي الْبِلَادِ لِأَنَّنِي ... أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدَا
بِمَعْنَى: لَعَلَّنِي. وَالَّذِي أَنْشَدَنِي أَصْحَابُنَا عَنِ الْفَرَّاءِ: (لَعَلَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ) . وَقَدْ أُنْشِدَ أَيْضًا بَيْتُ تَوْبَةَ بْنِ الْحُمَيِّرِ:
[البحر الطويل]
-[489]- لَعَلَّكَ يَا تَيْسًا نَزَا فِي مَرِيرَةٍ ... مُعَذِّبَ لَيْلَى أَنْ تَرَانِي أَزُورُهَا
(لَهَنَّكَ يَا تَيْسًا) ، بِمَعْنَى: لِأَنَّكَ الَّتِي فِي مَعْنَى لَعَلَّكَ، وَأُنْشِدَ بَيْتُ أَبِي النَّجْمِ الْعِجْلِيِّ:
[البحر الرجز]
قُلْتُ لِشَيْبَانَ ادْنُ مِنْ لِقَائِهِ ... إِنَّا نُغَدِّي الْقَوْمَ مِنْ شِوَائِهِ
يَعْنِي: لَعَلَّنَا نُغَدِّي الْقَوْمَ. وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: ذَلِكَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ، أَعْنِي قَوْلَهُ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {أَنَّهَا} [الأنعام: 109] بِمَعْنَى: (لَعَلَّهَا) . وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى تَأْوِيلَاتِهِ بِالصَّوَابِ لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ بِالْيَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: {لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] ، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: {وَمَا يُشْعِرُكُمْ} [الأنعام: 109] خِطَابًا لِلْمُشْرِكِينَ، لَكَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي قَوْلِهِ: {لَا يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 109] بِالتَّاءِ، وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَكِّيِّينَ كَذَلِكَ، فَقِرَاءَةٌ خَارِجَةٌ عَمَّا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَكَفَى بِخِلَافِ جَمِيعِهِمْ لَهَا دَلِيلًا عَلَى ذَهَابِهَا وَشُذُوذِهَا. وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا يُدْرِيكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّ الْآيَاتِ إِذَا جَاءَتْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَا يُؤْمِنُونَ، فَيُعَاجَلُوا بِالنِّقْمَةِ وَالْعَذَابِ عِنْدَ ذَلِكَ وَلَا يُؤَخَّرُوا بِهِ

الصفحة 487