كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 9)
بِأَيْدِيهِمْ، مَتَى شَاءُوا آمَنُوا، وَمَتَى شَاءُوا كَفَرُوا. وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، ذَلِكَ بِيَدِي، لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ لَهُ فَوَفَّقْتُهُ، وَلَا يَكْفُرُ إِلَّا مَنْ خَذَلْتُهُ عَنِ الرُّشْدِ فَأَضْلَلْتُهُ. وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: " §نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ، فَقَالَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ. وَنَزَلَ فِيهِمْ: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} [الأنعام: 111] وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا قِيلَ: {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} [الأنعام: 111] يُرَادُ بِهِ أَهْلَ الشَّقَاءِ، وَقِيلَ: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 111] فَاسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: {لِيُؤْمِنُوا} [الأنعام: 111] ، يُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَالسَّعَادَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {§وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} [الأنعام: 111] : " وَهُمْ أَهْلُ الشَّقَاءِ. ثُمَّ قَالَ: {إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الأنعام: 111] : وَهُمْ أَهْلُ السَّعَادَةِ الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ أَنْ يَدْخُلُوا فِي -[494]- الْإِيمَانِ " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ: {مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا} [الأنعام: 111] الْقَوْمَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا} [الأنعام: 109] . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ سَأَلُوا الْآيَةَ كَانُوا هُمُ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إِنَّهُمْ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَلَكِنْ لَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا خَبَرَ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ. وَالْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْعُمُومِ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ عُنِيَ بِهِ أَهْلُ الشَّقَاءِ مِنْهُمْ أَوْلَى لِمَا وَصَفْنَا. وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا} [الأنعام: 111] ، فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (قِبَلًا) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ، بِمَعْنَى مُعَايَنَةً، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: لَقِيتُهُ قِبَلًا: أَيْ مُعَايَنَةً وَمُجَاهَرَةً. وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ {قُبُلًا} [الأنعام: 111] بِضَمِّ الْقَافِ وَالْبَاءِ. وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ كَانَ لَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْقُبُلُ جَمْعَ قَبِيلٍ كَالرُّغُفِ الَّتِي هِيَ جَمْعُ رَغِيفٍ، وَالْقُضُبِ الَّتِي هِيَ جَمْعُ قَضِيبٍ، وَيَكُونُ الْقُبُلُ: الضُمَنَاءُ وَالْكُفَلَاءُ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ كُفَلَاءَ يَكْفُلُونَ لَهُمْ بِأَنَّ الَّذِي نَعِدُهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ -[495]- بِاللَّهِ إِنْ آمَنُوا، أَوْ نُوعِدُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ إِنْ هَلَكُوا عَلَى كُفْرِهِمْ، مَا آمَنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ (الْقُبُلُ) بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَتَيْتُكَ قُبُلًا لَا دُبُرًا، إِذَا أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قَبِيلَةً قَبِيلَةً، صِنْفًا صِنْفًا، وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً. فَيَكُونُ الْقُبُلُ حِينَئِذٍ جَمْعُ قَبِيلٍ الَّذِي هُوَ جَمْعُ قَبِيلَةٍ، فَيَكُونُ الْقُبُلُ جَمْعَ الْجَمْعِ. وَبِكُلِّ ذَلِكَ قَدْ قَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: مُعَايَنَةٌ
الصفحة 493