كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 9)

§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَوْ شِئْتُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ يُؤْمِنَ الَّذِينَ كَانُوا لِأَنْبِيَائِي أَعْدَاءً مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَلَا يَنَالُهُمْ مَكْرُهُمْ وَيَأْمَنُوا غَوَائِلَهُمْ وَأَذَاهُمْ، فَعَلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي لَمْ أَشَأْ ذَلِكَ لِأَبْتَلِيَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فَيَسْتَحِقَّ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ مَا سَبَقَ لَهُ فِي الْكِتَابِ السَّابِقِ. {فَذَرْهُمْ} [الأنعام: 112] يَقُولُ: فَدَعْهُمْ، يَعْنِي الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَكَ بِالْبَاطِلِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِكَ وَيُخَاصِمُونَكَ بِمَا يُوحِي إِلَيْهِمْ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، {وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112] يَعْنِي: وَمَا يَخْتَلِقُونَ مِنْ إِفْكٍ وَزُورٍ، يَقُولُ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اصْبِرْ عَلَيْهِمْ، فَإِنِّي مِنْ وَرَاءِ عِقَابِهِمْ عَلَى افْتِرَائِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَاخْتِلَاقِهِمْ عَلَيْهِ الْكَذِبَ وَالزُّورَ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 113] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] ، {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ} [الأنعام: 113] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يُوحِي بَعْضُ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينِ إِلَى بَعْضٍ الْمُزَيَّنَ مِنَ الْقَوْلِ بِالْبَاطِلِ، لِيَغُرُّوا بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ، فَيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} [الأنعام: 113] يَقُولُ: وَلِتَمِيلَ إِلَيْهِ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. وَهُوَ مِنْ صَغَوْتَ تَصْغَى وَتَصْغُو، وَالتَّنْزِيلُ جَاءَ بِتَصْغَى صَغْوًا وَصُغُوًّا، وَبَعْضُ الْعَرَبِ يَقُولُ صَغَيْتُ بِالْيَاءِ، حُكِيَ عَنْ بَعْضِ بَنِي أَسَدٍ: صَغَيْتُ إِلَى حَدِيثِهِ، فَأَنَا أَصْغَى صُغِيًّا بِالْيَاءِ، وَذَلِكَ إِذَا مِلْتُ، يُقَالُ: صَغْوِي مَعَكَ: إِذَا كَانَ هَوَاكَ مَعَهُ وَمَيْلُكَ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: ضِلْعِي مَعَكَ، وَيُقَالُ: أَصْغَيْتُ الْإِنَاءَ: إِذَا أَمَلْتُهُ

الصفحة 503