كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 9)
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَلَّ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119] اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا} [الأنعام: 119] ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَيُّ شَيْءٍ لَكُمْ فِي أَنْ لَا تَأْكُلُوا؟ قَالَ: وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: {وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ} [البقرة: 246] ، يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ لَنَا فِي تَرْكِ الْقِتَالِ؟ قَالَ: وَلَوْ كَانَتْ لَا زَائِدَةً لَا يَقَعُ الْفِعْلُ، وَلَوْ كَانَتْ فِي مَعْنَى: وَمَا لَنَا وَكَذَا، لَكَانَتْ: وَمَا لَنَا وَأَنْ لَا نُقَاتِلَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّمَا دَخَلَتْ لَا لِلْمَنْعِ، لِأَنَّ تَأْوِيلَ (مَا لَكَ) ، و (مَا مَنَعَكَ) وَاحِدٌ، مَا مَنَعَكَ لَا تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَمَا لَكَ لَا تَفْعَلُ، وَاحِدٌ، فَلِذَلِكَ دَخَلَتْ (لَا) . قَالَ: وَهَذَا الْمَوْضِعُ تَكُونُ فِيهِ (لَا) وَتَكُونُ فِيهِ (أَنْ) ، مِثْلُ قَوْلِهِ: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] ، وَ (أَنْ لَا تَضِلُّوا) : يَمْنَعُكُمْ مِنَ الضَّلَالِ بِالْبَيَانِ. وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَمَا لَكُمْ} [البقرة: 107] فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَقَدَّمَ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ بِتَحْلِيلِ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِبَاحَةِ أَكْلِ مَا
الصفحة 512