كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 9)
الْمُشْرِكُونَ أَنْ تَتَخَيَّرُوا ذَلِكَ عَلَيَّ أَنْتُمْ، لِأَنَّ تَخَيُّرَ الرَّسُولِ إِلَى الْمُرْسِلِ دُونَ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ إِذَا أَرْسَلَ رِسَالَةً بِمَوْضِعِ رِسَالَاتِهِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام: 124] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُعَلِّمَهُ مَا هُوَ صَانِعٌ بِهَؤُلَاءِ الْمُتَمَرِّدِينَ عَلَيْهِ: سَيُصِيبُ يَا مُحَمَّدُ الَّذِي اكْتَسَبُوا الْإِثْمَ بِشِرْكِهِمْ بِاللَّهِ وَعِبَادَتِهِمْ غَيْرَهُ {صَغَارٌ} [الأنعام: 124] يَعْنِي: ذِلَّةٌ وَهَوَانٌ
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: {§سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ} [الأنعام: 124] قَالَ: الصَّغَارُ: الذِّلَّةُ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: صَغِرَ يَصْغُرُ صَغَارًا وَصَغَرًا، وَهُوَ أَشَدُّ الذُّلِّ "
§وَأَمَّا قَوْلُهُ: {صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ} [الأنعام: 124] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: سَيُصِيبُهُمْ صَغَارٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: سَيَأْتِينِي رِزْقِي عِنْدَ اللَّهِ، بِمَعْنَى: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، يُرَادُ بِذَلِكَ: سَيَأْتِينِي الَّذِي لِي عِنْدَ اللَّهِ. وَغَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ قَالَ: (سَيُصِيبُهُمْ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ) أَنْ يَقُولَ: (جِئْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ) بِمَعْنَى: جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ اللَّهِ، لِأَنَّ مَعْنَى (سَيُصِيبُهُمْ صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ) : سَيُصِيبُهُمُ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الذُّلِّ بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِنَظِيرِ (جِئْتُ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ اللَّهِ) . وَقَوْلُهُ: {وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام: 124] يَقُولُ: يُصِيبُ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُسْتَحِلِّينَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَيْتَةِ مَعَ -[541]- الصَّغَارِ، عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَكِيدُونَ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِالْجِدَالِ بِالْبَاطِلِ وَالزُّخْرُفِ مِنَ الْقَوْلِ غُرُورًا لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ
الصفحة 540