كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 9)

§وَأَمَّا قَوْلُهُ: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} [الأنعام: 133] فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنْ يَشَأْ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ الَّذِي خَلَقَ خَلْقَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ {يُذْهِبْكُمْ} [النساء: 133] يَقُولُ: يُهْلِكْ خَلْقَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَلَقَهُمْ مِنْ وَلَدِ آدَمَ {وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ} [الأنعام: 133] يَقُولُ: وَيَأْتِ بِخَلْقٍ غَيْرِكُمْ وَأُمَمٍ سِوَاكُمْ يَخْلُفُونَكُمْ فِي الْأَرْضِ، {مِنْ بَعْدِكُمْ} [الأنعام: 133] يَعْنِي: مِنْ بَعْدِ فَنَائِكُمْ وَهَلَاكِكُمْ. {كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ} [الأنعام: 133] ، كَمَا أَحْدَثَكُمْ وَابْتَدَعَكُمْ مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ آخَرِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ. وَمَعْنَى (مِنْ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: التَّعْقِيبُ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: أَعْطَيْتُكَ مِنْ دِينَارِكَ ثَوْبًا، بِمَعْنَى: مَكَانَ الدِّينَارِ ثَوْبًا، لَا أَنَّ الثَّوْبَ مِنَ الدِّينَارِ بَعْضٌ، كَذَلِكَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ: {كَمَا أَنْشَأَكُمْ} [الأنعام: 133] لَمْ يُرِدْ بِإِخْبَارِهِمْ هَذَا الْخَبَرَ أَنَّهُمْ أُنْشِئُوا مِنْ أَصْلَابِ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُمْ أُنْشِئُوا مَكَانَ خَلْقٍ خَلْفَ قَوْمٍ آخَرِينَ قَدْ هَلَكُوا قَبْلَهُمْ. وَالذُّرِّيَّةُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ، بِمَعْنَى خَلَقَهُمْ فَهُوَ يَذْرَؤُهُمْ، ثُمَّ تَرَكَ الْهَمْزَةَ فَقِيلَ: ذَرَا اللَّهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ الْفَعِيلَةَ بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلَى مِثَالِ الْعُلِّيَّةِ.

الصفحة 565