كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 10)

عَشِيَّةَ لَا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ ... فَتَدْنُو وَلَا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ
فَأَنَّثَ قَرِيبَةٌ، وَذَكَّرَ بَعِيدًا عَلَى مَا وَصَفْتُ. وَلَوْ كَانَ الْقَرِيبُ مِنَ الْقَرَابَةِ فِي النَّسَبِ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُؤَنَّثِ إِلَّا مُؤَنَّثًا، وَمَعَ الْجَمْعِ إِلَّا مَجْمُوعًا. وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: ذُكِّرَ قَرِيبٌ وَهُوَ صِفَةٌ لِلرَّحْمَةِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: رِيحٌ خَرِيقٌ، وَمِلْحَفَةٌ جَدِيدٌ، وَشَاةٌ سَدِيسٌ. قَالَ: وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: تَفْسِيرُ الرَّحْمَةِ هَهُنَا الْمَطَرُ وَنَحْوُهُ، فَلِذَلِكَ ذَكَّرَ كَمَا قَالَ: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا} [الأعراف: 87] فَذَكَّرَ لِأَنَّهُ أَرَادَ النَّاسَ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ كَبَعْضِ مَا يُذَكِّرُونَ مِنَ الْمُؤَنَّثِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر المتقارب]
وَلَا أَرْضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَهَا
وَقَدْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَرَأَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِنْ جَازَ أَنْ يُذَكِّرَ قَرِيبًا تَوْجِيهًا مِنْهُ لِلرَّحْمَةِ إِلَى مَعْنَى الْمَطَرِ أَنْ يَقُولَ: هِنْدُ قَامَ، تَوْجِيهًا مِنْهُ لِهِنْدَ وَهِيَ امْرَأَةٌ إِلَى مَعْنَى إِنْسَانٍ، وَرَأَى أَنَّ مَا شَبَّهَ بِهِ قَوْلَهُ: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا} [الأعراف: 87] غَيْرُ مُشْبِهَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الطَّائِفَةَ فِيمَا زَعَمَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الطَّيْفِ، كَمَا الصَّيْحَةُ وَالصِّيَاحُ بِمَعْنًى، وَلِذَلِكَ قِيلَ: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ} [هود: 67]
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا

الصفحة 251