كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 10)

§وَأَمَّا قَوْلُهُ: {كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] ، فَإِنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَمَا نُحْيِي هَذَا الْبَلَدَ الْمَيِّتَ بِمَا نُنْزِلُ بِهِ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي نُنْزِلُهُ مِنَ السَّحَابِ، فَنُخْرِجُ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَجُدُوبَتِهِ وَقُحُوطِ أَهْلِهِ، كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ أَحْيَاءَ بَعْدَ فَنَائِهِمْ وَدُرُوسِ آثَارِهِمْ {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152] ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ، الْمُنْكِرِينَ لِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ: ضَرَبْتُ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ هَذَا الْمَثَلَ الَّذِي ذَكَرْتُ لَكُمْ مِنْ إِحْيَاءِ الْبَلَدِ الْمَيِّتِ بِقَطَرِ الْمَطَرِ الَّذِي يَأْتِي بِهِ السَّحَابُ، الَّذِي تَنْشُرُهُ الرِّيَاحُ الَّتِي وَصَفْتُ صِفَتَهَا، لِتَعْتَبِرُوا فَتَذَكَّرُوا وَتَعْلَمُوا أَنَّ مَنَ كَانَ ذَلِكَ مِنْ قُدْرَتِهِ فَيَسِيرُ فِي إِحْيَاءِ الْمَوْتَى بَعْدَ فَنَائِهَا وَإِعَادَتِهَا خَلْقًا سَوِيًّا بَعْدَ دُرُوسِهَا. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: {§كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 57] «وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ، وَكَذَلِكَ النُّشُورُ، كَمَا نُخْرِجُ الزَّرْعَ بِالْمَاءِ»
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " إِنَّ §النَّاسَ إِذَا مَاتُوا فِي النَّفْخَةِ الْأُولَى أُمْطِرَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَاءٍ تَحْتَ الْعَرْشِ يُدْعَى مَاءَ الْحَيَوَانِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الزَّرْعُ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا اسْتُكْمِلَتْ أَجْسَامُهُمْ نُفِخَ فِيهِمُ الرُّوحُ، ثُمَّ يُلْقَى عَلَيْهِمْ نَوْمَةٌ، فَيَنَامُونَ فِي -[256]- قُبُورِهِمْ، فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ الثَّانِيَةَ، عَاشُوا وَهُمْ يَجِدُونَ طَعْمَ النَّوْمِ فِي رُءُوسِهِمْ وَأَعْيُنِهِمْ، كَمَا يَجِدُ النَّائِمُ حِينَ يَسْتَيْقِظُ مِنْ نَوْمِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُونَ: {يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا} [يس: 52] ، فَنَادَاهُمُ الْمُنَادِي: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ} [يس: 52] "

الصفحة 255