كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 10)

§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 149] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} [الأعراف: 149] وَلَمَّا نَدِمَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهُ عِنْدَ رُجُوعِ مُوسَى إِلَيْهِمْ، وَاسْتَسْلَمُوا لِمُوسَى وَحُكْمِهِ فِيهِمْ. وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِكُلِّ نَادِمٍ عَلَى أَمْرٍ فَاتَ مِنْهُ أَوْ سَلَفَ وَعَاجِزٌ عَنْ شَيْءٍ: قَدْ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ، وأُسْقِطَ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الِاسْتِئْسَارِ، وَذَلِكَ أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَوْ يَصْرَعَهُ، فَيَرْمِيَ بِهِ مِنْ يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ لِيَأْسِرَهُ فَيُكَتِّفَهُ، فَالْمَرْمِيُّ بِهِ مَسْقُوطٌ فِي يَدَيِ السَّاقِطِ بِهِ، فَقِيلَ لِكُلِّ عَاجِزٍ عَنْ شَيْءٍ وَمُصَارَعٍ لِعَجْزِهِ مُتَنَدِّمٍ عَلَى مَا فَاتَهُ: سُقِطَ فِي يَدَيْهِ وَأُسْقِطَ. وَعَنَى بِقَوْلِهِ: {وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا} [الأعراف: 149] وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ جَارُوا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ وَذَهَبُوا عَنْ دَيْنِ اللَّهِ، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، قَالُوا تَائِبِينَ إِلَى اللَّهِ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ بِهِ: {لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 149] ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: «لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا» بِالرَّفْعِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ. وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا) بِالنَّصْبِ بِتَأْوِيلِ لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا يَا رَبَّنَا، عَلَى وَجْهِ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ لِرَبِّهِمْ. وَاعْتَلَّ

الصفحة 448