كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 10)
وَأَحْسِبُ أَنَّهُ إِذَا وُجِّهَ إِلَى الْفَسَادِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَلَفَ اللَّبَنُ: إِذَا حَمِضَ مِنْ طُولِ تَرْكِهِ فِي السِّقَاءِ حَتَّى يَفْسَدَ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ الْفَاسِدَ مُشَبَّهٌ بِهِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ قَوْلُهُمْ: خَلَفَ فَمُ الصَّائِمِ: إِذَا تَغَيَّرَتْ رِيحُهُ. وَأَمَّا فِي تَسْكِينِ اللَّامِ فِي الذَّمِّ، فَقَوْلُ لَبِيدٍ:
[البحر الكامل]
ذَهَبَ الَّذِينَ يُعَاشُ فِي أَكْنَافِهِمْ ... وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الْأَجْرَبِ
وَقِيلَ: إِنَّ الْخَلْفَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ خَلَفُوا مَنْ قَبْلَهُمْ هُمُ النَّصَارَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " {§فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [الأعراف: 169] قَالَ: النَّصَارَى " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا وَصَفَ أَنَّهُ خَلَفَ الْقَوْمَ الَّذِينَ قَصَّ قَصَصَهُمْ فِي الْآيَاتِ الَّتِي مَضَتْ خَلْفُ سُوءٍ رَدِيءٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَنَا أَنَّهُمْ نَصَارَى فِي كِتَابِهِ، وَقِصَّتُهُمْ بِقَصَصِ الْيَهُودِ أَشْبَهُ مِنْهَا بِقَصَصِ النَّصَارَى. وَبَعْدُ، فَإِنَّ مَا قَبْلَ ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَا بَعْدَهُ كَذَلِكَ، فَمَا بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُمْ أَشْبَهُ، إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى صَرْفِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَلَا جَاءَ بِذَلِكَ دَلِيلٌ يُوجِبُ صِحَّةَ الْقَوْلِ بِهِ. -[536]- فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: فَتَبَدَّلَ مِنْ بَعْدِهِمْ بَدَلُ سُوءٍ، وَرِثُوا كِتَابَ اللَّهِ: تَعَلَّمُوهُ، وَضَيَّعُوا الْعَمَلَ بِهِ فَخَالَفُوا حُكْمَهُ، يُرْشَوْنَ فِي حُكْمِ اللَّهِ، فَيَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ فِيهِ مِنْ عَرَضِ هَذَا الْعَاجِلِ الْأَدْنَى، يَعْنِي بِالْأَدْنَى: الْأَقْرَبَ مِنَ الْآجِلِ الْأَبْعَدِ، وَيَقُولُونَ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ سَيَغْفِرُ لَنَا ذُنُوبَنَا، تَمَنِّيًا عَلَى اللَّهِ الْأَبَاطِيلَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة: 79] {وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} [الأعراف: 169] يَقُولُ: وَإِنْ شَرَعَ لَهُمْ ذَنْبٌ حَرَامٌ مِثْلُهُ مِنَ الرِّشْوَةِ بَعْدَ ذَلِكَ أَخَذُوهُ وَاسْتَحَلُّوهُ، وَلَمْ يَرْتَدِعُوا عَنْهُ. يُخْبِرُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَهْلُ إِصْرَارٍ عَلَى ذُنُوبِهِمْ، وَلَيْسُوا بِأَهْلِ إِنَابَةٍ وَلَا تَوْبَةٍ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ عِبَارَاتُهُمْ
الصفحة 535