كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 11)

عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا فِطْرَةِ عَقْلٍ. وَقَدْ دَلَلْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَغَيْرِهِ عَلَى أَنَّ النَّاسِخَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَا نَفَى حُكْمَ الْمَنْسُوخِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَأَمَّا مَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَغَيْرُ كَائِنٍ نَاسِخًا. وَقَوْلُ اللَّهِ فِي بَرَاءَةٍ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] غَيْرُ نَافٍ حُكْمُهُ حُكْمَ قَوْلِهِ. {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61] لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} [الأنفال: 61] إِنَّمَا عُنِيَ بِهِ بَنُو قُرَيْظَةَ، وَكَانُوا يَهُودًا أَهْلَ كِتَابٍ، وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِصُلْحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُتَارَكَتِهِمُ الْحَرْبَ عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ
§وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] فَإِنَّمَا عُنِيَ بِهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ قَبُولُ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ، فَلَيْسَ فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ نَفْي حُكْمِ الْأُخْرَى، بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُحْكَمَةٌ فِيمَا أُنْزِلَتْ فِيهِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " {§وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} [الأنفال: 61] قَالَ: قُرَيْظَةُ "
§وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [النساء: 81] يَقُولُ: فَوِّضْ إِلَى اللَّهِ يَا مُحَمَّدُ أَمْرَكَ، وَاسْتَكْفِهِ وَاثِقًا بِهِ أَنَّهُ يَكْفِيكَ
كَالَّذِي: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " {§وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 61] إِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ "
§وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61] يَعْنِي بِذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ الَّذِي تَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ -[255]- سُمَيْعٌ لِمَا تَقُولُ أَنْتَ، وَمَنْ تُسَالِمُهُ وَتُتَارِكُهُ الْحَرْبَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِكَ عِنْدَ عَقْدِ السَّلْمِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَيَشْرِطُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْكُمْ عَلَى صَاحِبِهِ مِنَ الشُّرُوطِ، وَالْعَلِيمُ بِمَا يُضْمِرُهُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْكُمْ لِلْفَرِيقِ الْآخَرِ مِنَ الْوَفَاءِ بِمَا عَاقَدَهُ عَلَيْهِ، وَمَنِ الْمُضْمِرُ ذَلِكَ مِنْكُمْ فِي قَلْبِهِ وَالْمُنْطَوِي عَلَى خِلَافِهِ لِصَاحِبِهِ

الصفحة 254