كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 11)
وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قَاتِلُوا} [آل عمران: 167] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْقَوْمَ {الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ} [التوبة: 29] يَقُولُ: وَلَا يُصَدِّقُونَ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ. {وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} [التوبة: 29] يَقُولُ: وَلَا يُطِيعُونَ اللَّهَ طَاعَةَ الْحَقِّ. يَعْنِي: أَنَّهُمْ لَا يُطِيعُونَ طَاعَةَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [البقرة: 101] وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَكُلُّ مُطِيعٍ مَلِكًا أَوْ ذَا سُلْطَانٍ، فَهُوَ دَائِنٌ لَهُ، يُقَالُ مِنْهُ: دَانَ فُلَانٌ لِفُلَانٍ فَهُوَ يَدِينُ لَهُ دِينًا، قَالَ زُهَيْرٌ:
[البحر البسيط]
لَئِنْ حَلَلْتَ بِجَوٍّ فِي بَنِي أَسَدٍ ... فِي دِينِ عَمْرٍو وَحَالَتْ بَيْنَنَا فَدَكُ
§وَقَوْلُهُ: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [البقرة: 101] يَعْنِي: الَّذِينَ أُعْطُوا كِتَابَ اللَّهِ، وَهُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] وَالْجِزْيَةُ: الْفِعْلَةُ مِنْ جَزَى فُلَانٌ فُلَانًا مَا عَلَيْهِ: إِذَا قَضَاهُ، يَجْزِيهِ. وَالْجِزْيَةُ مِثْلُ الْقِعْدَةِ وَالْجِلْسَةِ. وَمَعْنَى الْكَلَامِ: حَتَّى يُعْطُوا الْخَرَاجَ عَنْ رِقَابِهِمُ الَّذِي يَبْذُلُونَهُ لِلْمُسْلِمِينَ دَفْعًا عَنْهَا
§وَأَمَّا قَوْلُهُ: {عَنْ يَدٍ} [التوبة: 29] فَإِنَّهُ يَعْنِي: مِنْ يَدِهِ إِلَى يَدِ مَنْ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، -[407]- وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِكُلِّ مُعْطٍ قَاهِرًا لَهُ شَيْئًا طَائِعًا لَهُ أَوْ كَارِهًا: أَعْطَاهُ عَنْ يَدِهِ وَعَنْ يَدٍ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: كَلَّمْتُهُ فَمًا لِفَمٍ وَلَقِيتُهُ كِفَّةً لِكِفَّةٍ، وَكَذَلِكَ أَعْطَيْتُهُ عَنْ يَدٍ لِيَدٍ
الصفحة 406