كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 11)
§وَأَمَّا قَوْلُهُ {وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة: 31] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
§وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} [التوبة: 31] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: وَمَا أُمِرَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ وَالْمَسِيحَ أَرْبَابًا إِلَّا أَنْ يَعْبُدُوا مَعْبُودًا وَاحِدًا، وَأَنْ يُطِيعُوا إِلَّا رِبًّا وَاحِدًا دُونَ أَرْبَابٍ شَتَّى، وَهُوَ اللَّهُ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ شَيْءٍ وَطَاعَةُ كُلِّ خَلْقٍ، الْمُسْتَحِقُّ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ الدَّيْنُونَةَ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا تَنْبَغِي الْأُلُوهَةُ إِلَّا لِوَاحِدٍ الَّذِي أَمَرَ الْخَلْقَ بِعِبَادَتِهِ، وَلَزِمَتْ جَمِيعَ الْعِبَادِ طَاعَتُهُ. {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] يَقُولُ: تَنْزِيهًا وَتَطْهِيرًا لِلَّهِ عَمَّا يُشْرَكُ فِي طَاعَتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ الْقَائِلُونَ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَالْقَائِلُونَ: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، الْمُتَّخِذُونَ أَحْبَارَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ
§الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُرِيدُ هَؤُلَاءِ الْمُتَّخِذُونَ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ أَرْبَابًا {أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} يَعْنِي: أَنَّهُمْ يُحَاوِلُونَ بِتَكْذِيبِهِمْ بِدِينِ -[422]- اللَّهِ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ وَصَدِّهِمُ النَّاسَ عَنْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنْ يُبْطِلُوهُ، وَهُوَ النُّورُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ ضِيَاءً. {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 32] يَعْلُو دِينُهُ وَتَظْهَرُ كَلِمَتُهُ، وَيُتِمُّ الْحَقَّ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَوْ كَرِهَ إِتْمَامَ اللَّهِ إِيَّاهُ الْكَافِرُونَ، يَعْنِي: جَاحِدِيهِ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
الصفحة 421