كتاب تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (اسم الجزء: 13)
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَكَذَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ، يَعْنِي إِلَى جَمَاعَةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا جَمَاعَاتٌ عَلَى مِثْلِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، فَمَضَتْ؛ {لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} [الرعد: 30] يَقُولُ: لِتُبَلِّغُهُمْ مَا أَرْسَلْتُكَ بِهِ إِلَيْهِمْ مِنْ وَحْيِي الَّذِي أَوْحَيْتُهُ إِلَيْكَ {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30] يَقُولُ: وَهُمْ يَجْحَدُونَ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ، وَيُكَذِّبُونَ بِهَا {قُلْ هُوَ رَبِّي} [الرعد: 30] يَقُولُ: إِنْ كَفَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرْسَلْتُكَ إِلَيْهِمْ يَا مُحَمَّدُ بِالرَّحْمَنِ فَقُلْ: أَنْتَ اللَّهُ رَبِّي {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْهِ مَتَابِ} [الرعد: 30] يَقُولُ: وَإِلَيْهِ مَرْجِعِي وَأَوْبَتِي، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: تُبْتُ مَتَابًا وَتَوْبَةً. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {§وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد: 30] : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَالَحَ قُرَيْشًا كَتَبَ: «هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: لَئِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَاتَلْنَاكَ لَقَدْ ظَلَمْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: هَذَا مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُقَاتِلْهُمْ فَقَالَ: «لَا، وَلَكِنِ اكْتُبُوا كَمَا يُرِيدُونَ، إِنِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ» فَلَمَّا كَتَبَ الْكَاتِبُ: «بِسْمِ اللَّهِ -[531]- الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» قَالَتْ قُرَيْشٌ: أَمَّا الرَّحْمَنُ فَلَا نَعْرِفُهُ، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَكْتُبُونَ: «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنَا نُقَاتِلْهُمْ، قَالَ: «لَا، وَلَكِنِ اكْتُبُوا كَمَا يُرِيدُونَ»
الصفحة 530